فإذا وضعت الموازين لوزن الأعمال جعلت فيها كتب الخلائق الحاوية لجميع أعمالهم لكن أعمالهم الظاهرة ، دون الباطنة لأن الأعمال الباطنة لا تدخل الميزان المحسوس لكن يقام فيها العدل وهو الميزان الحكمي المعنوي فمحسوس لمحسوس ومعنى لمعنى يقابل كل بمثله ، وآخر ما يوضع في الميزان قوله العبد الحمد للّه ولهذا ورد والحمد للّه تملأ الميزان وإنما لم تكن لا إله إلا اللّه تملأ الميزان كالحمد للّه لأن كل عمر خير له مقابل من ضده ليجعل هذا الخير في موازينه ولا يقابل لا إله إلا اللّه إلا الشرك ولا يجتمع توحيد وشرك في ميزان واحد بخلاف المعاصي غير الشرك إذ العاصي لم يخرج عن الإسلام بمعصيته ، وإيضاح ما قلناه أن الإنسان كان يقول لا إله إلا اللّه معتقدا لها فما أشرك وإن أشرك فما اعتقد لا إله إلا اللّه فلما لم يصح الجمع بينهما لم تدخل لا إله إلا اللّه الميزان لعدم ما يعاد له في الكفة الأخرى وإنما دخلت لا إله إلا اللّه ميزان صاحب السجلات التسعة والتسعين من السيئات لأن صاحب السجلات كان يقول لا إله إلا اللّه معتقدا له إلا أنه لم يعمل معها خيرا قط فكان وضع لا إله إلا اللّه في مقابلة التسعة والتسعين سجلا من السيئات فترجح كفة لا إله إلا اللّه بالجميع وتطيش السجلات فلا يثقل مع اسم اللّه شيء .
وكان رضي اللّه عنه يقول : لا نور للصراط في نفسه لأنه منصوب على ظهر جهنم وهي مظلمة وإنما النور الذي يكون على الصراط من نور الماشين عليه ، قال تعالى :
يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ
« 1 » فقلت له لم يقل تعالى وبشمائلهم ؟ فقال رضي اللّه عنه : لأن المؤمن في الآخرة لا شمال له كما أن أهل النار لا يمين لهم .
وكان رضي اللّه عنه يقول : ثم من تشتاق إليه الجنة كما يشتاق إليها وهم المطيعون وثم من لا تشتاق إليه الجنة وهم يشتاقون إليها وهم عصاة المؤمنين ومن ثم تشتاق إليه الجنة وهو لا يشتاقها وهم أرباب الأحوال وثم من لا تشتاق إليه الجنة ولا يشتاق هو إليها وهم المكذبون بيوم الدين والقائلون بنفي الجنة المحسوسة .
وكان رضي اللّه عنه يقول : يقع التمني في الجنة لأهلها فيتنعمون بذلك أشد التنعم وذلك لأنه تمن محقق لوجود ما يتمناه حال التمني فلا يتوهم أحد من أهل الجنة نعيما فوق نعيمه أو يتمناه إلا حصل له بحسب ما توهمه إن توهمه معنى كان معنى وإن
هامش
( 1 ) سورة الحديد : الآية 12 .