تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
وكان يقول : إياكم أن تظهروا لكم حالا أو وصفا دون أن يتولى اللّه ذلك من غير اختيار كم . وكان رضي اللّه عنه يقول : احذروا من قربه تعالى لكم أن يفتنكم بالقرب مع أنه لا خصوصية لكم فيه وإذا علم أحدكم ما هو عليه من القرب فهو بعيد من القرب فإن حقيقة القرب الغيبة بالقرب عن القرب حتى لا تشهد حالك في القرب إلا بعدا ولا في العلم إلا جهلا ولا في التواضع إلا كبرا فإن شهود القرب يمنع العلم بالقرب
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ
« 1 » . وكان رضي اللّه عنه يقول : احذروا من الاعتزاز بصحبته لكم أن يستدرجكم بحبكم له فيشغلكم بكم عنه إذا كشف لكم عن حقائقكم حسبتم أنكم هو ومن وهنا يقع الاستدراج ولا خلاص لكم إلا إن شهدتموه به تعالى لا بكم . وسئل رضي اللّه عنه مرة عن قوله تعالى :
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
« 2 » الآية ، هل يدخل في ذلك الركون إلى النفس فقال رضي اللّه عنه نعم ، ثم قال رضي اللّه عنه وإيضاح ذلك أن هذه الآية أيضا متضمنة لعدم اختيار العباد مع ربهم ومتضمنة أيضا لمعرفة أقرب الطرق إلى الحق وهو أصل جامع الطرق الظاهرة والباطنة فإن في باطنها الحث على الأمر بالتخلق بالمقام الإبراهيمي الذي نحن مكلفون باتباعه وذلك أن الأركان صفة من صفات النفس والظلم أيضا من صفاتها وهي موصوفة بالظلم والأركان في نفسها لاعتمادها على نفسها ودعواها بأنها أفضل وأعلم من غيرها ولو لم تعلم هي ذلك من نفسها ولولا أنها موصوفة بالظلم ما ظهر عنها قط فعل أو أمر قبيح وهذا أيضا أقوى دليل على جهلها بمعرفة نفسها وربها حيث لم تسند إلى ربها جميع أفعالها وأقوالها وحركاتها وسكناتها الظاهرة والباطنة ، ومعلوم أن الظالم نفسه إنما هو معذب في هذه الدار بنار نفسه وشهواته لا بالنار المحسوسة التي تقع له في الدار الآخرة . وانظر يا أخي إلى إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام لما لم تؤثر فيه نار الشهوة لم تؤثر فيه نار الحس بل وجدها بردا لأجل صفة البرد الذي في باطنه عليه الصلاة والسلام من حر التدبير المفضي إلى الشرك الأكبر المشار إليه بقول لقمان لابنه
هامش
( 1 ) سورة الواقعة : الآية 85 . ( 2 ) سورة الواقعة : الآية 85 .