وكان رضي اللّه عنه يقول : لي منذ سنين وأنا أحس بلحمي كأنه في صحن نحاس على النار يطشطش وكان من شأنه التقشف في المأكل والملبس وخدمته جميع إخوانه وكنا إذا خرجنا لمثل أهرام الجيزة أو غيرها من التنزهات يحمل نعال الجماعة كلهم في خرج على عنقه ومن أبى أقسم عليه باللّه تعالى حتى يمكنه من حمل نعله وشكوت له مرة مرضا نزل بي فقال : واللّه العظيم لي منذ عشر سنين وأنا أحس أنني في صحن نحاس على النار من غير ماء يطشطش فيه فحط مرضك بجنب هذا تجده ولاش ، وكان رضي اللّه عنه لا ينام من الليل إلا نحو عشر درج صيفا وشتاء .
وكان رضي اللّه عنه من أعظم الناس تعظيما للمساجد لم يتجرأ قط ن يدخل مسجدا إلا تبعا لغيره فكان يمكث واقفا على باب المسجد حتى إذا دخل أحد دخل في داره ويقول : :
مثلنا لا ينبغي له أن يدخل المساجد إلا تبعا لعامة المسلمين لعجزنا عن القيام بآدابها ورأيت مرة في ثوبه أثرا فقلت له دعني أغسله لك فقال أنت ما تعرف حالي واللّه إني لأستحي من لبس الثوب النظيف على ذاتي هذه القذرة .
وكان رضي اللّه عنه بقول أعطاني اللّه تعالى أن لا انظر قط إلى شيء من الحبوب نظرة واحدة ويسوس أو يتلف أبدا وجربنا ذلك في مخزن القمح الذي كان يسوس عندنا وكان رضي اللّه عنه يعرف أصحاب النوبة في سائر أقطار الأرض ويعرف من تولى ذلك اليوم منهم ومن عزل وكان لوه أصفر نحيفا لا تكاد تجد عليه أوقية لحم ، وحج رضي اللّه عنه مرات على التجريد فلما كان آخر حجة كان ضعيفا فقلت له في هذه الحالة تسافر فقال لترابي فإن نطفتي مرغوها في تربة الشهداء ببدر فكان كما قال فمرض مرضا شديدا قبل بدر بيومين ثم توفى ودفن ببدر كما قال وذلك في سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة فلما حججت سنة سبع وأربعين .
مضيت إلى قبره فقلت له أقسم عليك باللّه إلا ما نطقت لي من القبر وعرفتني بقبرك فناداني تعال فإني ها هنا فعرفت قبره بتعريفه لي رضي اللّه عنه ومدحت له مرة بعض الفقراء فقال اجمعني عليه فدخلنا فوجدناه في الخلوة فقال له سيدي فضل الدين رحمه اللّه تعالى ( يا هو ) بهمة فتخبط ذلك الفقير من صياحه عليه حتى كاد يذهل فقال سيدي أفضل الدين رضي اللّه عنه وعزة ربي لولا الشفقة عليه لشققت قلبه بالصوت ثم قال لي هذا يأكل مهما وجد لا يتورع فهذا الذي تركه يتخبط كما قال تعالى
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ