ورؤى في عرفات في الموقف مرارا لا تحصى حتى حلف شخص من أصحابه بالطلاق إنه رآه وسلم عليه فيه وهو لم يعترف ويقول : أنا ما برحت من مصر موضعا وتفرعت عنه سائر مجالس الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم التي على وجه الأرض الآن في الحجاز والشام ومصر والصعيد والمحلة الكبرى وإسكندرية وبلاد الغرب وبلاد التكرور ، وذلك لم يعهد بأحد قبله إنما كان الناس لهم أوراد في الصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرادى في أنفسهم ، وأما اجتماع الناس على هذه الهيئة فلم يبلغنا وقوعه من أحد من عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى عصره رضي اللّه عنه ولما توفى رضي اللّه عنه رأيته في قبره وقد اتسع مد البصر وهو مغطى بلحاف حرير أخضر مساحته قدر فدان ثم إني رأيته بعد سنتين ونصف وهو يقول :
لي غطني بالملاية فإني عريان فلم أعرف ما المراد بذلك فمات ولدي محمد تلك الليلة فنزلنا به ندفنه بجانبه في الفسقية فرأيته عريانا على الرمل لم يبق من كفنه ولا خيط واحد ووجدته طريا يخر ظهره دما مثل ما دفناه سواء لم يتغير من جسده شيء فغطيته بالملاية وقلت له إذا قمت وكسوك ، أرسل لي ملاية .
وهذا من أدل دليل على أنه من شهداء المحبة فإن الأرض لم تأكل من جسده شيئا بعد سنتين ونصف ولا انتفخ ولا نتن له لحم وإنما وجدنا الدم يخر من ظهره طريا لأنه لما مرض لم يستطع أحد أن يقلبه مدة سبع وخمسين يوما فذاب لحم ظهره فضممناه بالقطن وورق الموز وبم يتأوه قط ولم يئن في ذلك المرض ، ورأيته مرة أخرى فقلت يا سيدي أيش حالكم فقال جعلوني بواب البرزخ فلا يدخل البرزخ عمل حتى يعرض على وما رأيت أضوأ ولا أنوار من عمل أصحابنا يعني من قراءة
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
« 1 » والصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
ورأيت مرة الإمام الشافعي رضي اللّه عنه وقال لي أنا عاتب عليك وعلى نور الدين الطرابلسي ونور الدين الشوني وكنت تلك الليلة نائما في الروضة عند بني الوفاء فقلت للإمام نزوركم بكرة إن شاء اللّه فقال لا هذا الوقت فأخذ بيدي ومشى من الروضة حتى طلع بي فوق قبته وفرش لي حصيرا بقرب الهلال بحيث أنى صرت أمسك المركب النحاس بيدي ومضى فأتى ببطيخ وجبن طري وخبز لين وقال كل فقد ماتت ملوك الدنيا بحسرة الأكل في هذا الموضع فرجعت وقصصت المنام على الشيخ نور الدين
هامش
( 1 ) سورة الإخلاص : الآية 1 .