ابتداء ومن العبد في النهاية اكتسابا فلذلك قال صلى اللّه عليه وسلم " أفلا أكون عبدا شكورا " ولم يقل شاكرا إذ هو بتحققه بالعلم يكون شاكرا ولا يكون شكورا إلا بتحققه بالعمل وفرق كبير بينهما .
وكان رضي اللّه عنه يقول : التجريد عن رؤية الأسباب خاص بعالم الخيال ولذلك كان العلم والتجريد عن الاكتساب خاصا بعلم الشهادة لأنه أفاد العمل وحقيقة العمل ظهور صورة العلم لا غيره .
فقال له أخي أفضل الدين رضي اللّه عنه فإذا كان الأمر كذلك فما الفرق بينهما قال تعلمه كما علمت باللّه كل شيء وأنا وأنت غير محتاجين إلى البيان والقلوب لا تمسك مثل ذلك لأنه غير مألوف في الحديث " إن من البيان لسحرا واللّه يحب من عباده الستيرين " فاحتفظ يحفظك اللّه وسمعته مرة يقول : كما حكمت الذات على نفسها بالوجود المطلق فيجب على غيرها أن يحكم على نفسه بالعدم المطلق قال ومن هنا تعلم الفرق بين الألوهية والربوبية وبين العبد وعجزه وبين الرب وقدرته وتعلم أيضا الفرق بين الروح والجسد والفرق بين توحيد الأكابر من الرجال وتوحيد غيرهم وهو من أوضح الفروق وأجلاها .
وسأله أخي أفضل الدين رجمه اللّه وأنا حاضر فقال رأيت كأني ميت وأنا أغسل جسدي حتى فرغت ثم حملت نصفي الأسفل وأنت يا سيدي حملت نصفي الأعلى ثم سألت نفسي عوضا عن الملكين فقال الشيخ رضي اللّه عنه أنت مقصر لم لا تحمل نفسك كلها فتكون كاملا تقاتل عن نفسك بالمدافعة وشيخك يساعدك إن شاء اللّه تعالى وتأمل في حديث " أعنى على نفسك بكثرة السجود " وأما سؤالك نفسك عوضا على الملكين فهو صحيح فإن السؤال حقيقة إنما تمرته وفائدته للملكين لا لك لأنك لم تزدد بسؤالهما علما عما كنت عليه .
وكان رضي اللّه عنه يقول : لا يخرج أحد من الدنيا حتى يكشف له عن حقيقة ما هو عليه ويتساوى مع أهل الكشف إنما هو تقديم وتأخير ثم قال رضي اللّه عنه وأما نحن فلا كشف لنا محسوس ولا حس معقول ولا نقل ولا وصف إلا العقل الملازم لنا في رتبه الإيمان العري عن الدليل بالمدلول وسأله أخي أفضل الدين رحمه اللّه تعالى وأنا حاضر فقال له إذا كان العبد على يقين من الأمان من سوء الخاتمة هل عليه ضرر فقال رضي اللّه عنه الخوف
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 294
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٢٩٤