إذا صلح القلب كان بيت اللّه ومهبط الوحي والأنوار وإذا فسد كان بيت الشيطان والهوى والظلمة انتهى .
فكذلك القلب وعاء للحق والشرع والنور كما أن الحرف إذا تغير بعض صورته أو نقطه فسد المعنى كذلك القلب إذا تغير بعض صورته وصفته فسد ما فيه .
وسأله أخي أفضل الدين رحمة اللّه تعالى وأنا حاضر عن لذة العلوم عند إيجادها في القلب قبل أن توجد في النفس هل هي مغيبة للإنسان عن حسه كما هو الأمر في النفس فقال رضي اللّه عنه إذا كان القلب يسع علم الحق كما ورد فكيف لا يسع علم غيره فقال له أخي أفضل الدين رحمه اللّه تعالى عالم الغيب أوسع من عالم الشهادة فقال هو أوسع عينا وأما لشهادة فهي أوسع حكما والحكم لا يفترق عن العين كما لا يفترق لا إله إلا اللّه من محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له أخي المذكور فما الحكم في الإفاضة على النفس قال الشيخ رضي اللّه عنه هو بحكم استعدادها وقربها من عالمها الأول أو بحكم تقييدها وعدم استعدادها وبعدها عن عالمها فقال له أخي المذكور لا بدّ من الفرق فقال الشيخ رضي اللّه عنه فرق بلا فرق كخطاب قلبك لنفسك وأنت أنت وهما عين أينيتك فافهم .
وسئل رضي اللّه عنه عن العلوم المتولدة عن الفكر هل هي مستقيمة في نفسها أم لا ؟ فقال رضي اللّه عنه الحكم في ذلك الوقت فهو علم الوقت يذهب بذهابه والذهاب عدم والعدم لا حكم له ولا عليه فقال له أخي أفضل الدين رضي اللّه عنه وكان حاضرا هذا إذا كان الفكر وبتفكره هو أما إذا كان الفكر عن وقع القلب في الوقت فذلك إلهام فعال بشرطه انتهى ومعنى قوله بشرطه أن يخرج صاحب الإلهام عن مواطن التلبيس واللّه أعلم .
وسئل رضي اللّه عنه عن بقاء العلوم في لوح النفس وعن إدراكهما مع كثرة واردات العلوم الفياضة على القلب فقال رضي اللّه عنه بقاء العلوم محفوظ في الصورة التي ظهرت عنها أعمالا كانت أو أقوالا أو أنفاسا والإدراك لها يكون بالصفاء الذي هو نور القلب المطلق وسأله أخي أفضل الدين رحمه اللّه تعالى وأنا حاضر عن قولهم العلم قد يكون حجابا والجهل قد يكون علما فقال رضي اللّه عنه أما كون العلم حجابا فلأن العلم صفه وركونك إليه صفة والصفة مع أختها لا توجد نتيجة كحكم الأنثى إذا اجتمعت مع الأنثى وأما كون الجهل علما فهو كونك جاهلا بحقيقة نفسك متحيرا في حقيقتها فسمى جهلك بذلك علما ومن هنا قال الأشياخ سبحان من جعل عين المعرفة به عين الجهل به وذلك لعدم الإحاط ولا يخرج العبد عن الجهل باللّه إلا إن أحاط به .
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 292
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٢٩٢