وكان رضي اللّه عنه يقول : الخلوة باللّه وحده لا تكون إلا للقطب الغوث في كل زمان فإذا فارق هيكله المنور بالانتقال إلى الدار الآخرة انفرد الحق تعالى بشخص آخر مكانه ينفرد لشخصين قط في زمان واحد وقال وهذه الخلوة وردت في الكتاب والسنة ولكن لا يشعر بها إلا أهل اللّه تعالى خاصة ، قلت : ورأيت هذا بعينه في كلام الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه أيضا قال وأما خلوة غير القطب فلا تكون باللّه ، وإنما هي لمزيد الاستعداد والبعد عمن يشغله عن الطاعات من المخلوقين لا غير .
وكان رضي اللّه عنه يقول : لا يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب ويسرى منه الإيمان في نفس العالم كله فيأمنوه على القطع على أنفسهم وأموالهم وأهليهم من غير أن يتخلل ذلك الأمان تهمة .
وكان رضي اللّه عنه يقول : أكمل الإيمان ما كان عن تجل إلهي لأنه حينئذ على صورة إيمان الرسل عليهم الصلاة والسلام ودونه ما كان عن دليل فلما علم الصحابة رضي اللّه عنه أن إيمان الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكون عن دليل لم يسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن حقيقة إيمانه وذلك لأن حقيقة الرسالة تقتضى أن لا دليل عليها وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الحق في التوحيد العام كنحن معهم إذ هم مأمورون كما نحن مأمورون إذ هم مقلدون للحق ونحن مقلدون لهم .
وكان رضي اللّه عنه يقول : من تحقق برتبة الإيمان علم أن جميع المراتب تصاحب رتبة الإيمان كمصاحبة الواحد لمراتب الأعداد الكلية والجزئية إذا هو أصلها الذي بنيت عليه فروعها وثمارها .
وكان رضي اللّه عنه يقول : لا يوصف الملأ الأعلى والأرواح العلا بأنهم أولياء ولا أنبياء كصالحي الإنس والجن لأنهم لو كانوا أنبياء وأولياء ما جهلوا الأسماء .
وكان رضي اللّه عنه يقول : لا يصح التعبير عن حقيقة الإيمان لأنه شيء وقر في الصدر لا يمكن التعبير عنه ، قال : وأما ما ورد في السنة من الألفاظ التي تحكم لصاحبها بالإيمان فكلها راجعة إلى التصديق والإذعان اللذين هما مفتاحان لباب العلم بالعلوم المستقر في قلب العبد بالفطرة ولا ناقشوا أصحابها بل أجروا حكمهم على الظاهر ووكلوا سرائر هم إلى اللّه تعالى هذا بالنظر للعوام ، وإلا فقد سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حارثة رضي اللّه عنه عن حقيقة إيمانه .
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 276
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٢٧٦