تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
فقيل له فكيف تذهب أنت إليهم فقال أنا أذهب وأسأل اللّه تعالى لهم أن لا ينقص درجتهم فإن أجرى على اللّه تعالى لا عليهم . وكان رضي اللّه عنه أولا طوافا يبيع الصابون والجميز والعجوة وكل ما وجد ثم فتح دكان زياته سنين عديدة ثم صار يضفر الخوص إلى أن مات وكان لا يأكل شيئا من طعام الظلمة وأعوانهم ولا يتصرف في شيء من دراهمهم في مصالح نفسه أو عياله إنما يضعه عنده للنساء الأرامل والشيوخ والعميان والعاجزين عن الكسب ومن ارتكبتهم الديون فيعطيهم من ذلك ما قسم وورمت عيناه مرة ورما شديدا وهو يضفر الخوص فأتاه شخص من أصحابنا بدراهم وقال يا سيدي أنفقها واسترح حتى تطيب عيناك فردها وقال اللّه أنا في هذا الحال ولا تطيب نفسي بكسب نفسي فكيف بكسب غيرى . وكان رضي اللّه عنه يعامل الخلق على حسب ما في قلوبهم لا على حسب ما في وجوههم . ومر عليه مرة شخص من الفقراء والنور يخفق من وجهه فنظر إليه الشيخ فقال اللهم اكفنا السوء إن اللّه إذا أراد بعبد خيرا جعل نوره في قلبه وظاهر جسده كآحاد الناس وإذا أراد به سوء أظهر ما في قلبه على وجهه وجعل قلبه مظلما . وكان رضي اللّه عنه يكنس المساجد وينظف بيوت الأخلية ويحمل الكناسة تارة ويخرجها إلى الكوم احتسابا لوجه اللّه تعالى كل يوم جمعة وكان يكنس المقياس في كل سنة ثاني يوم نزول النقطة وينفق على أصحابه ذلك اليوم نفقة عظيمة يقبض من عبه الدراهم ويعطيها كل من رآه المستحقين ويزن عنهم كراء المعدية وهم نحو مائة نفس ثم يفرق السكر والخشكنان على أهل المقياس وجيرانه ثم ينزل فيكشف رأسه ويتوضأ من المقياس ويصير يبكى ويتضرع ويرتعد كالقصبة في الريح ثم يطلع يصلى ركعتين ويأمر كل واحد من أصحابه أن ينزل ثم يكنس السلم يمشط من حديد ويخرج الطين الذي فيه بنفسه لا يمكن أحدا يساعده فيه ، وكان يقال إن خدمة النيل كانت عليه وأمر طلوع النيل ونزوله ورى البلاد وختام الزرع كل ذلك كان بتوجهه فيه إلى اللّه تعالى وكان أولياء عصره تقر له بذلك . ولما دخل ابن عثمان مصر أرسل له فقيرا ينظر كم معه من أصحاب النوية فذهب ورجع فقال معه سبعة فقال واللّه مغفر يرجع إلى بلاده سالما ، وكان سيدي محمد بن عنان رضي اللّه عنه إذا جاءه أهل الحوائج الشديدة كشخص رسم السلطان بشنقه أو
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 267 | عبد الوهاب الشعراني / احمد عبد الرحيم السايح