ليعرف هذا الموجود الذي هو السر فعمى عن إدراكه فتلاشت جميع أوصافه كأنه ليس بشيء فإذا أمده اللّه تعالى بنور ذاته أحياه حياة باقية لا غاية لها فينظر جميع المعلومات بنور هذه الحياة ووجد نور الحق شائعا في كل شيء لا يشهد غيره فنودي من قريب لا تغتر باللّه .
فإن المحجوب من حجب عن اللّه باللّه إذ محال أن يحجبه غيره وهناك يحيا حياة استودعها اللّه تعالى فيه ، ثم قال : يا رب أعوذ بك منك حتى لا أرى غيرك وهذا هو سبيل الترقي إلى حضرة العلي الأعلى وهو طريق المحبين الذين هم أبدال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما يعطيه اللّه تعالى لأحدهم من بعد هذا المنزل لا يقدر أحد أن يصف منه ذرة والحمد للّه على نعمائه .
وأما طريق المحبوبين الخاصة بهم فإنه ترق منه إليه به إذ محال أن يتوصل إليه بغيره فأول قدم لهم بر قدم إذ ألقى عليهم من نور ذاته فغيبهم بين عباده وحبب إليهم الخلوات وصغرت لديهم الأعمال الصالحات وعظم عندهم رب الأرضين والسماوات .
فبينما هم كذلك إذ ألبسهم ثوب العدم فنظروا فإذا هم لا هم ثم أردف عليهم ظلمة غيبتهم عن نظر هم فصار نظرهم عدما لا علة له فانطمست جميع العلل وزال كل حادث فلا حادث ولا وجود بل ليس إلا العدم الذي لا علة له فلا معرفة تتعلق به ، اضمحلت المعلومات وزالت المرسومات زوالا لا علة فيه وبقي من أشير إليه لا وصف له ولا صفة ولا ذات واضمحلت النعوت والأسماء والصفات كذلك فلا اسم له ولا صفة ولا ذات فهنالك ظهر من لم يزل ظهورا لا علة فيه بل ظهر بسره لذاته في ذاته ظهورا لا أولية له بل نظر من ذاته لذاته في ذاته وهناك يحيا العبد بظهوره حياة لا علة لها وصار أولا في ظهوره لا ظاهرا قبله فوجدت الأشياء بأوصافه وظهرت بنوره في نوره سبحانه وتعالى .
ثم يغطس بعد ذلك في بحر بعد بحر إلى أن يصل إلى بحر السر فإذا دخل بحر السر غرق غرقا لا خروج له منه أبد الآباد فإن شاء اللّه تعالى بعثه نائبا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم يحيى به عباده وإن شاء ستره يفعل في ملكه ما يشاء فهذا عبرة من طريقي الخصوص والعموم فتنبه . انتهى .
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 25
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٢٥