وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
« 1 » أفتراه أغناه بالمال كلا وقد شد الحجر على بطنه من شدة الجوع وأطعم الجيش كله من صاع وخرج من مكة على قديمه ليس معه شيء يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال .
وكان يقول : ضيق اليد شرف لكل الناس أو لقطب أو خليفة أو أمين لا يخون اللّه تعالى برؤية نفسه على من ينفق عليه من العيال والفقراء طرفة عين .
وكان يقول : العلوم التي وقع الثناء على أهلها وإن جلت فهي ظلمة في علوم ذوي التحقيق وهم الذين غرقوا في تيار بحر الذات وغموض الصفات فكانوا هناك بلا هم ، وهم الخاصة العليا الذين شاركوا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في أحوالهم فلهم فيها فيا نصيب على قدر إرثهم من مورثهم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : العلماء ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أي يقومون مقامهم على سبيل العلم والحكمة لا على سبيل التحقيق بالمقام والحال فإن مقامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد جلت أن يلمح حقائقها غير هم .
وكان يقول : كل وارث في المنزلة الموروثة لا يكون إلا بقدر مورثه فقط قال تعالى :
وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ
« 2 » كما فضل بعضهم على بعض كذلك فضل ورثتهم على بعض إذ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أعين للحق وكل عين يشهد منها على قدرها وكل ولي له مادة مخصوصة .
وكان يقول : الأولياء على ضربين صالحون وصديقون فالصالحون أبدال الأنبياء والصديقون أبدال الرسل فبين الصالحين والصديقين في التفضيل كما بين الأنبياء والمرسلين منهم طائفة انفردوا بالمادة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يشهدونها عين يقين وهم قليلون وفي التحقيق كثيرون ومادة كل نبي وكل ولي بالأصالة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لكل من الأولياء من يشهد عينه ومنهم من تخفى عليه عينه ومادته فيفنى فيما يرد عليه ولا يشتغل بطلب مادته بل هو مستغفر بحاله لا يرى غير وقته ومنهم طائفة أيضا مدوا بالنور الإلهي فنظروا به حتى عرفوا من هم على التحقيق وذلك كرامة لهم لا ينكرها إلا من ينكر كرامات الأولياء فنعوذ باللّه من النكران وبعد العرفان .
هامش
( 1 ) سورة الضحى : الآية 7 .
( 2 ) سورة الإسراء : الآية 55 .