وكان يقول : أول منزل يطؤه المحب للترقي منه إلى العلا النفس فإذا اشتغل بسياستها ورياضتها إلى أن انتهى إلى معرفتها وتحققها أشرق عليه أنوار المنزل الثالث وهو الروح فإذا اشتغل بسياسته وتمت له المعرفة هبت عليه أنوار اليقين شيئا فشيئا إلى تمام نهاياته وهذه طريق العامة .
وأما طريق الخاصة فهي طريق ملوك تضمحل العقول في أقل القليل من شرحها .
وكان يقول : ومن أمده اللّه تعالى بنور العقل الأصلي شهد موجودا لا حد له ولا غاية بالإضافة إلى هذا العبد ، واضمحلت جميع الكائنات فيه فتارة يشهدها فيه كما يشهد البناء بيتا في الهواء بواسطة نور الشمس وتارة لا يشهدها لانحراف نور الشمس عن الكوة ، فالشمس التي يبصر بها هو العقل الضروري بعد المادة بنور اليقين وإذا اضمحل هذا النور ذهبت الكائنات كلها وبقي هذا الموجود فتارة يفنى وتارة يبقى حتى إذا أريد به الكمال نودي فيها نداء خفيا لا صوت له فيمد بالفهم عنه .
إلا أن الذي يشهده غير اللّه تعالى ليس من اللّه في شيء فهناك ينتبه من سكراته فيقول : يا رب أثبتني وإلا أنا هالك فيعلم يقينا أن هذا البحر لا ينجيه منه إلا اللّه عز وجل فحينئذ يقال له : إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أول ما خلق اللّه العقل ، فأعطى هذا العبد الذل والانقياد لنور هذا الموجود إذ لا يقدر على حده وغايته .
فإذا أمد اللّه هذا العبد بنور أسمائه قطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء اللّه تعالى :
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
« 1 » ثم أمده اللّه تعالى بنور الروح الرباني فعرف هذا الموجود فرقى إلى ميدان الروح الرباني فذهب بجميع ما تحل به هذا العبد وما تخلى عنه بالضرورة وبقي كلا موجود ثم أحياه اللّه بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني فلما استنشق من مبادئ صفاته .
وكان يقول : هو اللّه فإذا لحقته العناية الأزلية نادته إلا أن هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحد أن يصفه بصفة ولا أن يعبر عنه بشيء من صفاته لغير أهله لكن بنور غير يعرفه .
فإذا أمده اللّه بنور سر الروح وجد نفسه جالسا على باب ميدان السر فرفع همته
هامش
( 1 ) سورة الأنعام الآية 83 .