رضي اللّه عنه شخص مرة بحبة صوف وقال يا سيدي اقبل مني هذه الجبة لأني رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها الليلة وقبلني على صدري وأنا لابسها فأبى الشيخ وقال شيء مسه النبي صلى اللّه عليه وسلم لا أقدر على لبسه خوف أن يقع مني معصية وأنا لابسها ولكن نتبرك بها فمسح بها على وجهه وردها على صاحبها وكان رضي اللّه عنه يربي من كان عنده دعوى بالمسارقة فيقرأ عليه شيئا من أحوال القوم ثم يصير يورد عليه الأسئلة ويعطف عليه بالجواب بحيث يظن أن ذلك الفقير هو الشيخ والشيخ هو المريد .
وجاءه شخص من اليمن فقال أنا مأذون لي في تربية الفقراء من شيخي فقال الشيخ عبد الحليم الحمد للّه الناس يسافرون في طلب الشيخ ونحن الشيخ جاء عندنا فتلقن على اليماني ولم يكن بذاك وكان الشيخ يعلمه في صورة المتعلم إلى أن كمله وزاد حاله ثم كساه عند السفر وزوده وصار يقبل رجل اليماني ويقول صرنا محسوبين عليكم . ولقبه رجل من أرباب الأحوال وكان مشهورا بالكرامات فقال يا عبد الحليم أنت مسكين ما كنت أظن مع هذه الشهرة أنك عاجز هكذا ثم قبض هو دراهم من الهواء وأعطى الشيخ عبد الحليم فأثر ذلك في سيدي الشيخ عبد الحليم ثم قال له يا عبد الحليم اشتغل باللّه تعالى حتى تصير الدنيا في طوعك هكذا فانقطع الشيخ عبد الحليم في الخلوة تسعة شهور يقرأ في الليل ختما وفي النهار ختما ثم خرج ينفق من الغيب إلى أن مات وأقمت عنده في زويته نحو سبعة وخمسين يوما فما رأيت الفقراء احتاجوا إلى شيء إلا ويخرج لهم من كيس صغير كعقدة الإبهام جميع ما يطلبونه ورأيته بعيني قبض منه ثمن خشب من دمياط نحو خمسين دينارا .
وكان رضي اللّه عنه لا يسأله فقير شيئا إلا أعطاه حتى يخرج بعمامته وجبته فيرجع بالفوطة في وسطه . وعمر رضي اللّه عنه عدة جوامع في البحر الصغير وله جامع بالمنزلة فيه فقراء ومجاورون وفيه سماط على الدوام ومارستان للضعفاء من الفقراء والغرباء والمستضعفين ، وكراماته كثيرة مشهورة في بلاده رضي اللّه عنه . مت رحمه اللّه سنة نيف وثلاثين وتسعمائة وكان رضي اللّه عنه لا يخصص نفسه بشيء من الهدايا الواصلة إليه بل أسوته بأسوة الفقراء في ذلك واجتمع عنده في زاويته نحو المائة نفس وهو يقوم بأكلهم وكسوتهم من غير وقف إنما هم على ما يفتح اللّه عز وجل ولما وقف الناس عليه الأوقاف أخبرني أن الحال ضاق على الفقراء وقال تعرف سببه ؟ قلت لا فقال
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 242
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٢٤٢