تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
إليه ، وأما إتيانهن ففيه تذكير بما أ * بر به محيى الموتى من قوله :
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ
« 1 » أي تحشرون إليه ، وأما سعى الطائر في تحدره في الجبل فهو أبلغ في قوته وتمام حياته وصحته من غير ذلك فكان سعيهن هذا دليلا على أنهن عدن إلى أتم ما كن عليه وفيه تذكير بكما بدأكم تعودون وبحشر المبعوثين من الأجداث سراعا وأطال في ذلك إلى خمسة وعشرين سؤالا وجوابا واللّه أعلم . وكان رضي اللّه عنه يقول : من سياسة الداعي إلى اللّه أن يؤلف الناس عليه أولا بالإحسان وطيب الكلام وتخفيف المأمورات فإذا رسخوا فله التحكيم فيهم كيف شاء وعليه يحمل أمر بعض العارفين لمريده أن يعتزل زوجته وأولاده وعشيرته إذا خاف عليه الفتنة والشغل عن اللّه تعالى ولهذا وجبت الهجرة من أرض الفتنة . وكان يقول : في قوله تعالى
وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
« 2 » هذه الآية تدل على نفى الجهة عن اللّه تعالى وجه الدلالة أن قاعدة الترقي تقتضى أن يكون الاطلاع على ما في الأرض للأرض أقرب من الاطلاع على ما في السماوات فلو كانت السماء جهة للّه لم تؤخر في الآية إذ لا يحسن أن يقال لا يخفى على الملك شيء في البلاد القاصية ولا في بيته أو بلده وإنما يحسن أن يقال لا يخفى عليه شيء في بلده ولا في البلاد القاصية عن بلده فلو كانت للحق جهة لاقتضت هذه الآية جهته لكن نحن متوافقون على أن الحق تعالى منزه عن جهة الأرض والآية تدل على أنه تعالى منزه عن جهة السماء فما فوقها أو لا جهة غير هما فلا جهة للحق أصلا فافهم . وكان يقول : من نسب إلى نفسه إلا مكانية فقد نسبه إلى محل الزوال والفناء فهو عرضة الزوال والمحو ومن نسب الأمر إلى مولاه الحق الواجب فقد نسبه إلى حضرة البقاء والدوام فهو في مراتب البقاء باقيا دائما فأنسب لنفسك أيها العبد ما تحبه أن يزول ويفنى وانسب لربك الحق ما تحب أن يدوم ويبقى . وكان يقول : من شغله الحق به لم يشغله عنه بشيء أقامه فيه من الخلق لأنه في ذلك بظاهرة وأما باطنه فعند ربه يقول : اللّه عزل وجل في العبد إذا نام في
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : الآية 52 . ( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 28 .
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 131 | عبد الوهاب الشعراني / احمد عبد الرحيم السايح