تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
وكان يقول : انظر إلى السحاب كيف يتفرق وينحط لجهة التراب فاجعل نفسك بالعبودية ترابا يخدمك من جعل نفسه بالرياسة سحابا فافهم . وكان رضي اللّه عنه يقول : التراب محمل الراحة
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ
« 1 » وانظر إلى الإشارة في تكنية على بأبى تراب تجد العلو في التنزل من لم يطرح نفسه في التراب لم يسترح فافهم . وكان يقول : في قوله
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا
« 2 » لولا وجد التجلي ما اندك فإذا وجدت من خشع للحق جهرا فاعلم أنه قد وجد الحق فلذلك خشع وإن لم يشعر هو واحفظ له حرمة ذلك الوجد تسلم وتغنم . وكان يقول : من شهد أن الأمر كله لواحد ما ثم فعل غيره وإيجاده مطابقة معلومة ومراده لم ير في العالم إلا صدقا مطابقا فليس عنده في العالم إلا الصدق لا ضده فافهم . وكان يقول : من شهد أن الوجود لا يمكن أن يقوم به نقيضه ولا واسطة بينهما لم يشهد في الوجود إلا حقا وأن يظن شيئا بعد ظهوره لشئ أو ظهر له بعد بطونه عنه ومتى تم لهذا شهوده وكمل لم يشهد إلا واحدا وشاهده مشهوده فافهم . وكان يقول : من حدد عدد ومن جرد وحد ومن تمكن من التصرف بالحكم في أحكام الأمرين أطلق وقيد وذلك هو الحق المبين . وكان يقول : صور الخيرات ملكية وصور الشر شيطانية فأيما صورة خير عرض لها ما به تكون سيئة فهي شيطان تشكل بصورة ملكية تشبها ولبسا وأيما صورة شر عرض لها ما به تكون حسنة فإنها شيطان أعان الحق عليه فاسلم فهو لا يأمر صاحبه إلا بخير مثال هذا صورة الكذب شيطانية فإذا كذب لإصلاح ذات البين أو لإقامة حق من حقوق الرب كحق دم أو نصرة مظلوم أو كف ظالم عن ظلمه وما أشبه هذا فتلك الصورة الشيطانية حينئذ مسلم لا يأمر إلا بخير وقس على هذا فافهم .
هامش
( 1 ) سورة الروم : الآية 20 . ( 2 ) سورة الأعراف : الآية 143 .