وكان رضي اللّه عنه يقول : في قوله تعالى
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى
« 1 » القلى البغض والتوديع البعد أي عدم قلاه لك خير لك من عدم توديعه لك فما ودعك ربك هي الأولى من هاتين الكلمتين وما قلى هي الأخرى منهما وإنما كان كذلك لأن العبد عن المحبة والرضا خير من القرب مع البغض والغضب فافهم فمن جعل آخر أمره في كل حال خيرا له من أوله فهو محمدي له نصيب من كنز ( وللآخرة خير لك من الأولى ) وأطال في ذلك .
وكان رضى اللّه عنه يقول : الذات شيء واحد لا كثرة فيه ولا تعدد بالحقيقة وإنما تعدد الذات باعتبار تعينها بالصفات تعددا اعتباريا فقط والتعدد الاعتباري لا يقدح في الوحدة الحقيقية كفروع الشجرة بالنظر لأصلها فافهم .
وكان يقول : في حديث " من أغبرت قدماه في سبيل اللّه بعد اللّه وجهه عن النار سبعين عاما " يدخل فيه من مشى مع ولى لوجه اللّه تعالى وابتغاء مرضاته فإن اللّه تعالى يبعد وجهه عن النار حقا فافهم .
وكان يقول : في قوله تعالى
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
« 2 » أي ومنكم من يريدنا لا يرد سوانا وفي الآية دليل على أن المؤمن قد يريد الدنيا ولا يقدح ذلك في أصل إيمانه .
قال وكل من كان طلبه النعيم الجثمانى بعد الموت فهو يريد الدنيا فأهل اللّه تعالى مجردون عن المقامين فلم يريدوا الدنيا ولا الآخرة لتعلق همتهم بلا أين وما لا يقبل الشركة والعين لا ينقسم إلى اثنين لأن الأحدية الفردية أمر ذاتي لا قبله ولا بعده ولا معه عدد وأطال في ذلك .
وكان رضي اللّه عنه يقول : كما أن للعبد من مولاه وجودا فكذلك للمولى من عبده شهود " أنت منى وأنا منك " فافهم واعرف والزم واللّه أعلم .
وكان يقول : المراد من العبد ذلة الذي يظهر به عن ربه ولذلك أمر بالتعبد فافهم فإذا فعلت ما يريده منك ربك فعل لك ربك ما تريده منه فاجعل مرادك منه هو
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
« 3 » فافهم .
هامش
( 1 ) سورة الضحى : آية 3 - 4 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 152 .
( 3 ) سورة الحجر : الآية 99 .