وكتمه عن الجهلة المنكرين حتى أتاه أمر اللّه تعالى بإظهار ما معه فكذلك ورثته وقل للمعترض أيضا أرأيت لو أنكر المجانين على رجال عاقل مخالفته لأمرهم أينبغي له أن يوافقهم على جنونهم فيتجنن مثلهم ويذهب نور عقله حتى يألفوه وهو يمكنه الفرار منهم بعقله .
وقل له أيضا أرأيت الإنسان الكائن بين الكلاب الضواري إذا لم يرضوه بينهم حتى يمشي مثلهم مكبا على وجهه ويعوي كعيهم أينبغي له أن يفعل ذلك ليقيم بينهم ويألفوه وهو يمكنه الفرار عنهم والحذر منهم مع بقائه على طريقته الإنسانية لا واللّه لا ينبغي للقادر على الخير أن ينسلخ منه ليرضى أهل الشر ويقيم معهم
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
« 1 » إن كانوا مؤمنين إلى آخر النسق ، فنعوذ باللّه أن نرد على أعقابنا بعد أن هدانا اللّه فافهموا أيها المريدون ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون وإياكم أن يلبسوا عليكم دينكم بجدالهم في الحق بعد ما تبين ومن عرف الحق فيلزم واللّه أعلم .
وكان رضي اللّه عنه يقول : أقل حال المريد مع أستاذه في حياته أن يكون لأستاذه كالأم لواحدها يؤثره بالراحات ويحمل عنه المشقات ويحبه على جميع أحواله وهكذا يكون الأستاذ لمريده في معنوياته فافهم ، فإن إمام هدايتك يهتم بأمرك عند ربك أكثر من اهتمامه بنفسه فهل يرحمك هكذا أب أو مألوف سواه وتأمل في قول موسى عليه السلام عن عصاه
وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي
« 2 » لم يقل أخبط بها حاجتي من الثمر وإنما ذكر أمر رعيته ذكر شكر في حضرة المنعم وما قال :
أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
« 3 » إلا إظهارا للضعف والعجز فافهم
وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
« 4 » إنما أجمل ما له فيها من المآرب كي لا تحصرها مرتبة عددية فيكون إمدادها محصورا فهكذا إذا لم يعد ذلك أستاذك خدمك فاعلم أنه أراد أن يجبرك من كسر نقص الحصر إلى كمال الإطلاق
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
« 5 » فتأمل ذلك .
هامش
( 1 ) سورة التوبة : الآية 62 .
( 2 ) سورة طه : الآية 18 .
( 3 ) سورة طه : الآية 18 .
( 4 ) سورة طه : الآية 18 .
( 5 ) سورة الزمر : آية 10 .