وكان يقول : من شرط إمام الهدى أن يهاجر بهمته عما تشتهي الأنفس البشرية ألا ترى إلى آدم عليه السلام ما أعطى الخلافة إلا لما هاجر من الجنة وما فيها من شهوات النفوس إلى الأرض وهكذا كل من أريد لحق فإنه لا يقوم به حتى يخرج ويهاجر بهمته عما يشغل عنه
فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
« 1 » فافهم .
وكان يقول : إذا قال الجمهور عن عارف لم لا يظهر معارفه العزيز الإلهية إلا في مقام خاص بين قوم خاصين ولم لا يظهرها للناس ويتكلم بها على الجمهور إن كانت حقا كما يزعم فقل لهم افهموا هذا المثال ، الدنيا غابة والنفوس المحجوبة عن حقائق الحق المبين فيها سباع ووحوش كواسر وصاحب القلب السليم أو السميع الشهيد بينهم كإنسان دخل ليلا في تلك الغابة وهو حسن الكلام والقراءة والصوت فلما أحس بما فيها من السباع والوحوش آوى إلى شجرة يختفي فيها منهم ولم يجهر بالقرآن يتغنى به هناك حذرا منهم فهل يدل اختفاؤه عنهم على أنه حكيم أو على أنه غير إنسان لا واللّه لأنه لو تراءى لهم أو أسمعهم صوته وقراءته لم يهتدوا به ولم يفهموا عنه وسارعوا إلى تمزيقه وأكله وكان هو الملقي بيده إلى التهلكة فافهم .
هذا المثال وقل للمعترض المذكور قد قال اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها
« 2 » فأمره أن لا يجهر بالقرآن بحيث يسمعه الجهلة المنكرون فيسبون بجهلهم ولا يخفيه عمن يؤمن به فهل يدل إخفاء النبي صلى اللّه عليه وسلم قراءته عن الجاهلين المنكرين على بطلان قراءته أو يقدح في حقيقته ثم إذا تهيأ لهذا العارف أسباب إظهار أمره بما ينقهر له المنكرون ويقرون له طوعا أو كرها فحينئذ يظهر عرفانه في الملأ اتباعا واقتداء بإظهار القرآن عند تهيؤ أسباب إظهاره بكثرة أنصاره وتمكينه كما أن الإنسان لا ينبغي له مقابلة السباع والظهور لهم حتى يتهيأ له أسباب القهر لهم من قوة مكنة وأنصار .
فإن قال المعترض فلم لا يترك هذا العارف إظهار معارفه ويدخل فيما فيه الجمهور حتى يتمكن ويقوى فيكون أسلم له فقل له إن ورثة النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يخالفون أمره لأن نوره إمام نفوسهم فحيث سلك سلكوا فكما أخفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما معه من الحق
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآية 89 .
( 2 ) سورة الإسراء : الآية 110 .