وأطال في ذلك وكان يقول : لما كان الروح الخضري مشوبا رحمانيا رحيما من سريان سر الأحدية في دائرته ومقامه بحسب مرتبته قال لذي النسبة الربانية الإلهية في زمنه
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
« 2 » كقوله بلسان حقيقته
لَنْ تَرانِي
« 3 » فإنه منه وإليه ما ثم إلا هذا فافهم كيف يستطيع الصبر ذو مقام معلوم لا يعرف ولا يألف سواه وما ناسبه مع من لا مقام له فهو كل آن في شأن ألا ترى أن الذي لا يعهد له في النفس روعة إذا ألف واعتيد زالت فافهم .
وكان يقول : ما دامت الملوك مطيعة للأولياء الذين هم العلماء بالحق وأمرهم بينهم نافذ قائم فأمر هم فالح ونظامهم صالح ونورهم واضح ومتى انعكس الأمر انتكسوا لأن الأولياء هم ورثة الأنبياء على التحقيق وأما حملة العلم المولدون للمسائل على وفق الأغراض واتباع الأهواء فليسوا من هذا الأمر في شيء وإنما هم كما وصف الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ، فالصواب الانتفاع بمحمولهم من غير تحكيم لهم ولا رجوع لرأيهم ولا تمكين لهم من تصرف إذ الحمار للحمل وللانتفاع لا لأن يحكم أو يسمع له أو يطلع فافهم .
قلت : ولعل مراد الشيخ قوما ينتصرون لأهوائهم بالباطل كالواضعين للحديث ترويجا لبدعهم وليس المراد بهم هؤلاء العلماء الذين نصبهم اللّه تعالى لإقامة الشريعة واللّه أعلم .
وكان يقول : أئمة الهدى في الحقيقة أرواح مقدسون يتحولون في بشرياتهم فمن نظر إلى ظاهر هم تحير ومن نظر إلى نور بواطنهم تبصر واللّه أعلم .
وكان يقول : ورثة النبي صلى اللّه عليه وسلم في كل زمان هم أنوار أزمنتهم سراجيتهم المقتبسة بالتخصيص لهم من سراجية المشار إليه بقوله :
وَسِراجاً مُنِيراً
« 4 » فما داموا ناطقين ظاهرين فالنور ظاهر شائع والأبصار مدركة والفرق واضح بين المفاسد والمصالح ومتى سكتوا عن بيان الحق تلفوا وتحيروا واختلفوا فلا تقابل سراج زمانك بالأهواء وارع له حقه تدم لك الأضواء فافهم .
هامش
( 2 ) سورة الكهف : الآية 67 .
( 3 ) سورة الأعراف : الآية 143 .
( 4 ) سورة الأحزاب : الآية 46 .