وكان يقول : لما كان الحق تعالى لا يغفر أن يشرك به فكذلك مظاهره لا يغفرون أن يشرك بهم لأنه حقيقتهم الظاهرة المتمثلة بهم فهو هم وهو قواهم وأمور هم كلها أموره فإذا رأيت أحدا منهم يكره ممن يتعين عليه حبه وتعظيمه أن يحب سواه ويعظمه كحبه وتعظيمه فأعلم أن ذلك شأن اللّه الذي لا يغفر أن يشرك به ظهر به مظهره فافهم واعرف والزم .
وكان يقول : في قوله صلى اللّه عليه وسلم : من اعترف بذنبه ثم تاب اللّه عليه أي لأن إنكار الذنب والاعتذار عنه بالكذب تزكية للنفس المذنبة وشهادة زور وتجهيل للمنكر منه المعتذر عنده
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ
« 1 »
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
« 2 » وهذا شيء نجده من نفوسنا أن المذنب إذا اعترف وخضع رقيت له وكرهت عقوبته وتوبيخه بعد ذلك
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ( 91 ) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
« 3 » والعكس بالعكس فافهم .
وكان يقول : ومن اعترف بأن ما في يده لسيده جعله عاملا فيه فلا يستكثر عليه ما يكثر إلا جاهل وإنما الإنكار موضعه الفتنة والاستدراج على من زعم أن ما في يده له وتأمل قوله صلى اللّه عليه وسلم : أعطيت مفاتيح خزائن الأرض فكان يعلم أن العبد كلما كثر ما في يده كثر فضله واتسع على غيره وكثر فضل اللّه عليه فافهم فإضافة الأموال إلى العبد كإضافة الإقليم إلى العامل عليه واللّه أعلم .
وقال في قوله تعالى :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
« 4 » أي لأنهم مع اعترافهم بأن اللّه وصفوه بالنبوة لمريم ولأنهم وصفوه باللّه في الزمن القديم الذي ليس هو موصوفهم فيه فإن موصوفه بوصف الحق المبين من حيث وجهه المحمدي ولا يسمى في كل زمن إلا موصوفه من الوجه الذي ظهر به منه سيما وهذا الوجه المحيط بجميع الوجوه العينية الإلهية الفرقانية عيسى وسواه ولأنهم وصفوه باللّه ولم يقوموا بمقتضى الإيمان بقوله :
وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
« 5 » ، وقوله :
اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
« 6 » يعني الظاهر بوجه المحمدي فافهم .
هامش
( 1 ) سورة فصلت : الآية 23 .
( 2 ) سورة الأنعام : الآية 24 .
( 3 ) سورة يوسف : الآيتان 91 ، 92 .
( 4 ) سورة المائدة : الآية 17 .
( 5 ) سورة الصف : الآية 6 .
( 6 ) سورة المائدة : الآية 72 .