بذلك وذلك على الطريقة التي يسميها علماء البيان تجريدا بيانيا فأنت إذا تجردت نفسك من نفسك طالبا ومطلوبا وطلبا وذاكرا لذلك لا يمكنك تشابه وناسيا له لا يتأتى منك ذكره ألست يقوم عندك بهذه الأحكام صور متقابلة لا يشغلك شيء منها عن شيء فأنت حقيقتها جميعا وليست هي زائدة عليك بالحقيقة وهي أغيارك ومتغايرك هي في نفسها حكما ومعاملة فهكذا فافهم .
هذا فالذات من هذه الحقيقة القضائية تسمى الذات الوجود وتسمى القضايا موجودات ومراتب الوجود ثم الموجود جهات جهة ما هو الوجود مطلقا وعلمه اللفظي العربي من هذه الحيثية هو وجهه وما هو الوجود المجرد عن كل ما يحكم بزيادته عليه واسمه العلم هنا هو وجهه ما هو الوجود المحيط تعينا بكل موجود فهو ذات كل موجود وكل موجود صفته وتعينه واسمه العلم الجلالة غير المشتقة من شيء أصلا ( اللّه ) وأطال في ذلك بما لاتسعه العقول السليمة فضلا عن غيرها واللّه أعلم .
وكان يقول : في قوله تعالى :
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
« 1 » وإذا أحبهم فبكونهم في مدارك المدركين فإذا أحببته كنته وقس على هذا فافهم انظر كيف لا يعبدون قالا ، إلا من قام لهم بما يشتهون حالا فافهم ما منك إلا وإليك ولا إليك إلا منك
إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ
« 2 » .
وكان يقول : الجود سعة العطاء والهبة إثبات العطية وإتمامها على من أعطيها والسماحة سهولة العطاء والسخاء إعطاء المحتاج لتفريج ما به من العطية فافهم .
وكان يقول : لما كان الوجود في دائرة الدلالة يظهر بموجوده سمى الموجود مظهرا والوجود ظاهرا به في كل مقام بحسبه من هذه الدائرة .
وكان يقول : لا يظهر لك الوجود حيث ظهر وكيف ظهر ومهما ظهر إلا من حيث هو وجود وأنت لا تدرك ذلك ولا شيئا منه إلا بأنه وجودك المدرك لذلك بإدراكه من حيث إنه وجودك المدرك ما ثم خلاف هذا
أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
« 3 » فافهم .
هامش
( 1 ) سورة المائدة : الآية 13 .
( 2 ) سورة القلم : الآية 39 .
( 3 ) سورة فصلت : الآية 54 .