تعالى فإذا تجرد عن ذلك فقد تقرب العبد حينئذ إلى اللّه بنافلته فأحبه فكان له بروحه مكان آنيته التي تجرد عنها بشهود وحدة هويته وتلك الروح خير من تلك النفس الزكية زكاة وأقرب رحما فافهم .
وكان رضي اللّه عنه يقول مهما تحققه المحقق عندك فاعلم أن ذلك تجل من تجلياته وأن الذي تعين به من ذلك في إدراكك تمثل من تمثلاته وذلك المحقق هو أجل أو من أجل حقائق وجودك الذي قام بها في شهودك فافهم فإن المريد من عيون أستاذه بالنسبة إلى أستاذه والأستاذ حقيقة وجود المريد بالنسبة إلى المريد والوجود في الكل واحد محيط .
ولذلك يتحقق المريد بأستاذه في معاني الكمال وجودا ويتحقق الأستاذ بمريده في مدارك المتعرفين شهودا ومن ثم قال السيد الكامل لمريده الكامل أنت مني وأن منك يا علي فافهم .
وكان يقول : من كان لا يرى من أستاذه إلا وجه البشرية فلا يزيده ما كشف له من الحق المبين إلا إعراضا وتكذيبا ونفورا ومن ثم لا تجد محققا يظهر لقوم إلا من حيث يشهدونه وما دام في ظهور المماثلة لهم لا يكلمهم إلا بلسانهم ولا يزنهم إلا بكيلهم وميزانهم ومن ثم قال النبي لعموم أصحابه : لا تفضلوني على موسى .
ثم بعد مفارقته لبشريته قال لسان خواص أصحابه إنه أفضل من جميع المرسلين والملائكة المقربين فقبل ذلك منه ببشاشة وتصديق خالص من لو قال له ذلك وهو في بشريته لارتاب وهكذا كل ولي في حال ظهوره بشرا لا يقبل منه أكثر كشفه الصادق ويقبل ذلك منه إذا تجرد عن بشريته وألقاه على لسان صديقه فيقبل من المحبين في محبوبهم ما لا يقبل من المحبوب عن نفسه عند أهل حجاب المماثلة فافهم .
وكان يقول : إن قال لك قائل ما الذات فقال له الذات والوجود بديهيان فلا يسأل عنهما بما لا يطلبان بالتحديد فإن قال أريد التنبيه فقل له الذات ما به قيام كل حاكم وحكم ومحكوم فما أدركته من هذا فهو مما قام بالذات لا الذات فقد نبهتك على عجزك فإن قال بين لي ما هو البديهي فقل له الذات بما هو الذات كما قد سمعت معجوز عنه وهو بديهي وليس ذلك إلا من جهة لا من جهات لأنه المقتضي لذاته أن يقضي وما ثم إلا هو فيقضي بنفسه لنفسه وعليها قضايا لا تتناهى لوجوب قضائه له
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 113
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١١٣