وكان يقول : كل ما أغفل قلبك عن ربك فهو عدو لربك فمن أعرض عنه وتبرأ إلى اللّه منه وتوجه بقلبه وجسده لربه فهو الأواه الحليم فافهم ، فانظر حالك فإن صديق العدو عدو ولا تصحب غير من يحبه ربك وهو من يذكرك بربك .
وكان يقول : ليس أبوك حقيقة إلا من تولدت صورة نفسك عن كشفه وبيانه حتى صارت عقلا بالفعل وأما أبو جسمك فهو أبوك مجازا لأنك ما أنت هذا الجسم بل روحه فمتى أغفلك أبو جسمك عن أبي روحك وجب عليك البراءة من أبي جسمك ولا يحل لك أن تدعي غير أبيك الحقيقي فإن ذلك كفر بفاعله فافهم ، قال الحق فيما وجد في قراءة ابن مسعود
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ ، أُمَّهاتُهُمْ
« 1 » وهو أب لهم بذلك بضمير الفصل وتقديمه على أب أنهم لا أب لهم على الحقيقة إلا هو لموضع الدلالة على الاختصاص بذلك الضمير وتخصيصه وكفاك إن كنت متروحنا قد تجرد جوهر نفسك عن لبس الخلق الجديد : قوله : كل نسب منقطع إلا نسبي ، واللّه أعلم .
وكان رضي اللّه عنه يقول : ما دام المريد تحت حكم أستاذه فترقيته دائمة فإن خرج عن حكمه اتكالا على ما حصل منه قولا وفعلا فهو كالحجر المرفوع إلى السماء ما دامت تلك القوة الرافعة مصاحبة له فهو متعال ومتى فتر انحط إلى الأرض فكن تحت حكم أستاذك تغنم .
وكان يقول : مهما أضمرته في نفسك وكتمته عن الخلق في خاطرك ظهر يوم تتقلب القلوب وتبلى السرائر فافهم ، واعمل أن لا يكون في سريرتك إلا الحق تغنم فافهم واللّه أعلم .
وكان يقول : في قوله :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
« 2 » التي هي أحسن عبارة عما يحصل به التسليم للحق والإذعان لحكمه فإن حصل ذلك بالاستدلال والبحث فهي التي هي أحسن وإن لم يحصل إلا بالترغيب فالترغيب إذن هي التي أحسن وإن لم يحصل إلا بالترهيب فالترهيب إذن هو التي هي أحسن فافهم .
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : الآية 33 .
( 2 ) سورة النحل : الآية 125 .