تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
وكان رضي اللّه عنه يقول : من تعلق بغير مولاه ضره إما بأن يحبه فيشغل عن مولاه ما منه فتنته أو يكرهه فيشغله عن مولاه ما به حزنه فلا راحة للمؤمن دون لقاء ربه ولا يلقى ربه وفيه تعلق لغيره فالخير كل الخير في مفارقة الغير فافهم . وكان يقول : جميع الأعمال إنما شرعت تذكرة بمشرعها كي لا ينسوه ولا يصبوا إلى غيره
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
« 1 » فافهم . وكان يقول : الخليفة في كل دائرة هو من أتم القيام فيها بحسن نظام العبودية معترفا أنه العبد مع كمال القيام بنظام الربوبية معترفا أن كل ما جاء به من ذلك فهو لربه ولربه الحمد فافهم . وكان يقول : إذا أردت ثبات الإخوان على محبتك القاصي منهم والداني وأن يثنوا عليك بكل لسان فقابلهم بالحلم والغفران وتأمل قوله تعالى :
* إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
« 2 » فأخبرك أنه ليس بعد الحليم الغفور من يمسكها فافهم . وكان يقول : متى شغل الإنسان قلبه بالأكوان عن ربه الرحمن ذل وهان وذلك لأنه جعل نفسه عبد عبده ومن شغل قلبه بالرحمن عز لأنه رد نفسه إلى غايته ومجده ، خلقت كل شيء من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تشتغل بما خلق لك عما خلقت من أجله ألا ترى أن الرجل الكبير القدر من أمير أو وزير متى شغل نفسه بحب امرأة ينكحها أو بهيمة يخدمها امتهنته القلوب بعقولها وإن عظموه في الظاهر رغبا أو رهبا والرجل لو كان شحانا متى شغل قلبه بربه الحق عظمته القلوب بعقولها وإن أعرضت عنه لهوا أو تكبرا فافهم . وكان يقول : إنما قال تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
« 3 » وعده بأن يجعله خليفة في الأرض للملإ الأدنى ؛ لأنه كان يومئذ خليفة في السماء للملإ الأعلى حيث خروا له ساجدين فافهم . وكان يقول : أكمل المظاهر في كل زمان هو الذي يظهر بكشفه وبيانه لأهل زمانه ما لم يكونوا يحتسبون من اللّه وهو غيب اللّه الذي لا يطلع عليه إلا من ارتضى .
هامش
( 1 ) سورة طه : الآية 14 . ( 2 ) سورة فاطر : الآية 41 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 30 .
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 104 | عبد الوهاب الشعراني / احمد عبد الرحيم السايح