وإنما أخروا دفنه لاشتغالهم بما وقع للمهاجرين والأنصار من خلاف ، حتى قال قائل من الأنصار في سقيفة بني ساعدة : منا أمير ومنكم أمير ، وخشوا تفاقم الأمر ، فنظروا فيها حتى استوى الأمر وانتظم الشمل ، فبايع عمر وأبو عبيدة ابن الجراح في جماعة من المهاجرين والأنصار لأبي بكر رضي اللّه عنه في سقيفة بني ساعدة ، ثم بايعوه أيضا من الغد في المسجد ، وهو على المنبر في ملأ منهم ورضا « 1 » ، فكشف اللّه الكربة وأطفأ نار الخلاف ، والحمد للّه رب العالمين .
ولم يتخلف عن بيعته رضي اللّه عنه إلا سعد بن عبادة وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما ، تخلفا ولم يحصل منهما شق عصا ولا مخالفة ولا ادعاء ذلك لأنفسهما ولا لغيرهما ، وإنما كفّا أيديهما عن المبايعة مع الانقياد لأمره ونهيه رضي اللّه عنهم أجمعين « 2 » .
وفي هذه السنة : توفيت حاضنة النبي صلّى اللّه عليه وسلم .
وفيها : توفيت فاطمة البتول ابنة الرسول عليه الصلاة والسلام .
وفيها : قتل عكاشة بن محصن الأسدي .
وفيها : قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة الحنظلي مع رهط من قومه ممن كان منع الزكاة .
وفيها : لما علمت العرب بموته صلّى اللّه عليه وسلم . . ارتد بعضهم عن الإسلام والعياذ باللّه ، وثبت بعضهم على الإسلام ، منهم أهل الحرمين الشريفين وعبد القيس في البحرين وثقيف ، بعد أن اضطرب أهل مكة ، وهموا بالرجوع عن الإسلام ، حتى خافهم أميرهم عتّاب بن أسيد ، فاختفى منهم ، فقام فيهم سهيل بن عمرو ، فثبّتهم وحضهم على الإقامة على الإسلام ، وإلى ذلك المقام أشار صلّى اللّه عليه وسلم بقوله لعمر لما أشار إليه بقتل سهيل : « لعله يقوم مقاما تحمده فيه » « 3 » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 3668 ) ، وابن حبان ( 414 ) ، والحاكم ( 3 / 76 ) ، والبيهقي ( 8 / 143 ) ، وأحمد ( 1 / 55 ) وغيرهم .
( 2 ) انظر الحديث السابق ، وعدم مبايعة سيدنا علي وتأخرها إلى ما بعد وفاة السيدة فاطمة عند البخاري ( 4240 ) ، ومسلم ( 1759 ) ، وقد أخرج الحاكم ( 3 / 76 ) ، والبيهقي ( 8 / 143 ) ما يفيد أنه بايع ، وهو بإسناد صحيح كما قال ابن كثير ، وبه أثبت المبايعة أولا ، وجمع بأن ما في « الصحيحين » إنما هو تجديد لها ، وانظر تمام كلامه في « البداية والنهاية » ( 5 / 261 و 299 ) ، وكلام الإمام النووي في « شرح مسلم » ( 12 / 77 ) .
( 3 ) سبق تخريجه في ترجمة سهيل بن عمرو رضي اللّه عنه ( 1 / 177 ) .