وكان صلّى اللّه عليه وسلم يدور على نسائه ، فاشتد عليه المرض في يوم ميمونة ، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة ، فأذنّ له ، فخرج صلّى اللّه عليه وسلم ويد له على علي والأخرى على الفضل بن عباس ، وأمرهم أن يهريقوا عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهنّ ليعهد إلى الناس ، فأجلسوه في مخضب لحفصة ، فصبّ عليه من تلك القرب حتى طفق يشير بيديه أن قد فعلتنّ ، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم « 1 » ، وصلّى على قتلى أحد واستغفر لهم كالمودع للأحياء والأموات « 2 » ، وقال : « لا يبقى في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر » « 3 » ، وأوصى بتنفيذ جيش أسامة ، وقال : « استوصوا بالأنصار خيرا ، وقد قضوا الذي عليهم ، وبقي الذي لهم ، فأحسنوا إلى محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم » ، ولم يخطب بعدها « 4 » .
ولما عجز صلّى اللّه عليه وسلم عن الخروج إلى المسجد . . أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ، فصلى أبو بكر بالناس تلك الأيام إلى أن توفي صلّى اللّه عليه وسلم « 5 » ، فدهش أصحابه دهشة عظيمة ، وحقّ لهم ذلك ، فاختلط عمر ؛ فجعل يصيح ويحلف ما مات صلّى اللّه عليه وسلم ، وتهدد من قاله ، وأقعد عليّ فلم يستطع حراكا ، وأخرس عثمان فكان يذهب به ويجاء فلا يستطيع كلاما ، وأضني عبد اللّه بن أنيس حتى مات كمدا .
ولم يكن فيهم أثبت من العباس وأبي بكر رضي اللّه عنهما ، فخطبهم أبو بكر رضي اللّه عنه وعيناه تهملان ، فقال : أما بعد : فمن كان يعبد محمدا . . فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه . . فإن اللّه حي لا يموت ؛ قال اللّه تعالى
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
إلى
الشَّاكِرِينَ
الآية . قال ابن عباس :
فو اللّه ؛ لكأن الناس لم يعلموا أن اللّه أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر ، فتلقاها منه الناس كلهم ، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها ، قال عمر : واللّه ؛ ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلّني رجلاي ، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها ، علمت أن النبي قد مات « 6 » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 198 ) ، ومسلم ( 418 ) بلفظ قريب ، وعند البخاري : أنه كان بين العباس وعلي ، والوكاء : الخيط الذي تشد به الصرة وغيرها ، والمخضب : إناء كبير يغتسل فيه .
( 2 ) أخرجه البخاري ( 4042 ) ، ومسلم ( 2296 ) .
( 3 ) أخرجه البخاري ( 3904 ) ، ومسلم ( 2382 ) ، والخوخة : الباب الصغير بين البيتين .
( 4 ) أخرجه البخاري ( 3799 ) ، ومسلم ( 2510 ) .
( 5 ) أخرجه البخاري ( 678 ) ، ومسلم ( 420 ) .
( 6 ) أخرجه البخاري ( 4454 ) ، وابن حبان ( 6620 ) ، وابن ماجة ( 1627 ) .