ثم رجع في حرّ شديد ، فأطعمه بعض أصحابه عسل نحل فغارت عينه اليمنى ، ثم بعد برهة تبعتها الأخرى ، مع ثقل سمعه ، وانقطع ببيته في حدود سبع وثلاثين ، فكان حلسا « 1 » من أحلاسه ، مع إدامته التّلاوة ، وعدم التّشكي ، وكان شيخنا كثير البرّ له ، والتفقّد لأحواله ، وقد جوّدت عليه القرآن بتمامه حين انقطاعه بمنزله ، وقرأت عليه تصحيحا في « العمدة » وغيرها ، وكنت شديد المهابة منه لشدّة بأسه وصولته ، مات في ليلة الأربعاء منتصف رمضان سنة تسع وأربعين ، بعد أن هشم وتحطّم ودفن من الغد بالتربة البيبرسية ، وقد أثنى عليه شيخنا في « إنبائه » بكثرة المذاكرة ، وأنّه خرّج من تحت يده جماعة فضلاء ، وأنّه كان لا يفتر لسانه عن التّلاوة ، ومن لطائفه أنّه قال : نقل لي أن شخصين تماشيا وأحدهما يقال له : جلال الدين جعفر ، فتذاكرا قول العماد الكاتب للقاضي الفاضل ممّا لا يستحيل [ بالانعكاس ] « 2 » : ( سر فلا كبا بك الفرس ) .
وقول الفاضل له : ( دام علا العماد ) .
/ فقال أحدهما بديها : ( رفع جلال جعفر ) .
فلما بلغني ذلك قلت : ( رجح نبأ ابن حجر ) - رحمه اللّه وإيانا - .
663 - محمد « 3 » بن أحمد بن عمر ، الشمس الشّنشي ، القاهري الشّافعي ، ويعرف بالشنشي ، وقديما بين أهل البلاد بقاضي منية أسنا .
ولد في سنة ثمان وسبعين وسبع مائة بسويقة الرّيش ، ظاهر القاهرة ، وحفظ القرآن ، وكتبا منها : « المنهاج » ، وأخذ في الفقه عن البرهان الأبناسي
هامش
( 1 ) الحلس : المتاع في البيت ، ويقال : فلان حلس بيته إذا لازمه . القاموس ( حلس ) .
( 2 ) ما بين الحاصرتين استدركناه من الضوء ، ويعني لا يفسد معناه بقراءته من أوله أو من آخره .
( 3 ) انظر ترجمته في الضوء اللامع : 7 / 34 ، والذيل التام : 2 / 221 ، ونظم العقيان :
136 وفيه : ( الشّفشي ) بالفاء وهو تحريف .