وكم حكم قد قيّدت من كلامه * كأنّ بها لقمان عاد المحيّا
تأليفه نور ونور لناظر * فقد أشرقت شمسا وقد عبقت ريّا
ولو لم يكن منها سوى الأمّ إنّها * لقد أنجبت ولدا ودرّت لهم ثديا
فأولادها الأعلام في كلّ موطن * أضاءت بهم من نور إشراقها الدنيا
عليم بتنقاد المذاهب لا ترى * أخا مذهب إلا يلاقي به وحيا
سخيّ يحاكي الجود جود بنانه * فليس لما قد حاز من عرض ثنيا
تقيّ نقيّ يستجاب دعاؤه * إذا المحل خفناه وجدنا به السقيا
شجاع فلو لاقى خميسا لقلّه * فيطعن من ولّى ويأسر من عيّا
به ازدانت الدنيا وزيّن أهلها * فقلد أجياد الوجود به حليا
وقد كان أصحاب الحديث ذوي كرى * فحرّك من أغفى ونبّه ذا الرؤيا
وأجرى لهم عين المباحث ثرّة * يفيء عليها الظلّ تبيانه فيّا
وصاروا ذوي بحث وفهم وبالذي * تقرر من قول الأصول رووا ريّا
ومن ظنّ أن الفقه نقل مجرّد * بغير دليل فهو ذو مقلة عميا
وعلم أصول الفقه والنحو واللغا * أداة لعلم الفقه يشتارها أريا
فيحلو ويعلو من غدا حاليا بها * وعاطلهم يجني بتخليطه شريا
شأى الشافعيّ الناس دينا ودربة * وذهنا به يفري مذاهبهم فريا
وناظر أعلام الزمان فسل به * عميد بني شيبان فاو به لقيا
أعار له في ليلة كتبا له * فما أسحرت حتى أحاط بها وعيا
أبرّ عليه في مسائل كتبه * فأذكره ما كان منها له نسيا
وأفحم بشرا في اللغا والزبير في * غرائب أنساب فأسكت واستحيا
وشعر هذيل صحّح ابن قريبهم * عليه فكم ميت بتصحيحه حيّا
جرى وجرى ناس لأبعد غاية * فأحرزها إذ كان قد بذّهم جريا
ولما تراموا للمعالي وسابقوا * إلى غرض كفّوا وسابقهم رميا
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 258
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٢٥٨