ولاقى أبا بشر بشرّ سفيهها * غداة تمالت في ضلال يعاوده
أتى نحو الأرون يناظر شيخه * وكان فتى والشيخ جمّ مكايده
فدسّ له يحيى وقد جمع الورى * بناد فوافى لا توانى واعده
سئولا له عن معضل بان شيخه * ينقّحه حتى تبدّت مناكده
فأطرق شيئا ثم أبدى جوابه * بحقّ ولكن أنكر الحقّ جاحده
وكاد عليّ عمرا إذ صار حاكما * وقدما عليا كان عمرو يكايده
سقاه بكأس لم يفق من خمارها * وأورده الأمر الذي هو وارده
ولابن زياد شركة في مراده * ولابن زياد مشرك القلب مارده
هما جرّعا إلى عليّ وقنبر * أفاويق سمّ لم تخذها ساوده
أبكي على عمرو ولا عمر مثله * إذا مشكل أعيا وأعوز ناقده
قضى نحبه شرخ الشبيبة لم يرع * بشيب ولم تعلق بذامّ معاقده
لقد كان للناس اعتناء بعلمه * بشرق وغرب تستنار فوائده
والآن فلا شخص على الأرض قارئ * كتاب أبي بشر ولا هو رائده
سوى معشر بالغرب فيهم تلفّت * إليه وشوق ليس تخبو مواقده
وما زال منا أهل أندلس له * جهابذ تبدي فضله وتناجده
وإنّي في مصر على ضعف ناصري * لناصره ما دمت حيّا وعاضده
أثار أثير الغرب للنحو كامنا * وعالجه حتى تبدّت قواعده
وأحيا أبو حيّان ميت علومه * فأصبح علم النحو ينفق كاسده
إذا مغربيّ حطّ بالثغر رحله * تيقن أنّ النحو أخفاه لاحده
منينا بقوم صبّروا في مجالس * لإقراء علم ضلّ عنهم مناشده
لقد أخّر التصدير عن مستحقّه * وقدم غمر جامد الذهن خامده
وسوف يلاقي من معي في جلوسهم * من الله عقبى ما أكنّت عقائده
علا عقله فيهم هواه أما درى * بأنّ هوى الإنسان للنار قائده
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 255
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٢٥٥