أقمنا بمصر نحو عشرين حجة * يشاهدنا ذو أمرهم ونشاهده
فلما ننل منهم مدى الدهر طائلا * ولما نجد فيهم صديقا نوادده
لنا سلوة فيمن سردنا حديثهم * وقد يتسلّى بالذي قال سارده
أخي إن تصل يوما وبلّغت سالما * لغرناطة فانقل لما أنال عاهده
وقبّل ثرى أرض بها حلّ ملكنا * وسلطاننا الشهم الجميل عوائده
مبيد العدى قتلا وقد عمّ شرهم * ومحيي الندى فضلا وقد ذمّ هامده
أفاض على الإسلام جودا ونجدة * فعزّ مواليه وذلّ معانده
وعمّ بها إخواننا بتحيّة * وخصّ بها الأستاذ لا عاش كائده
جزى الله عنا شيخنا وإمامنا * وأستاذنا الحبر الذي عمّ فائده
لقد أطلعت جيّان أوحد عصره * فللغرب فخر أعجز الشرق خالده
مؤرّخه نحويّه وإمامه * محدّثه صحّت وجلّت مسانده
نماه عظيم من ثقيف وإنّما * به استوثقت العرى ومساعده
له نسبة كعبيّة عاصميّة * زبيريّة طالت وطابت موالده
إذا جاهل يغشاه فهو معلّم * وإن أمل يعشو إليه فرافده
وما أنس لا أنسى سهادي ببابه * لسبق وغيري نائم الليل راقده
فيجلو بنور العلم ظلمة جهلنا * ويفتح علما مغلقات وصائده
وإني وإن شطت بنا غربة النوى * لشاكره في كلّ وقت وحامده
بغرناطة روحي وفي مصر جثتي * ترى هل ينبئ الفرد من هو فارده
أبا جعفر خذها قوافي من فتى * تتيه على غرّ القوافي قصائده
يسير بلا إذن إلى الأذن حسنها * فيرتاح سماع له ومناشده
غريبة شكل كم حوت من غرائب * مجيدة أصل أنتجتها أماجده
فلولاك يا مولاي ما فاه مقولي * بمصر ولا حبّرت ما أنا ناضده
لهذبتني حتى أحوك مفوفا * من النظم لا يبلى على الدهر آبده
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 256
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٢٥٦