هو الواضع الثاني الذي فاق أوّلا * ولا ثالث في الناس تصمى قواصده
وقد كان ربّاني أهل زمانه * صوّم قوّم راكع الليل ساجده
يقسم منه دهره في مثوبة * وثوقا بأنّ الله حقّ مواعده
فعام إلى غزو وعام لحجّة * فيعرفه البيت العتيق ووافده
ولم تثنه يوما عن العلم والتقى * كواعب حسن تستبي ونواهده
وأكثر سكناه بقفر بحيث لا * يناغيه إلا عفره وأوابده
وما قوته إلا شعير يسيغه * بماء قراح ليس تغشى موارده
عزوفا عن الدنيا وعن زهراتها * وشوقا إلى المولى وما هو واعده
ولما رأى من سيبويه نجابة * وأيقن أنّ الحين أدناه باعده
تخيّره إذ قد كان وارث علمه * ولاطفه حتى كأن هو والده
وعلّمه شيئا فشيئا علومه * إلى أن بدت سيماه واشتدّ ساعده
فإذ ذاك وافاه من الله وعده * وراح وحيد الأرض إذ جاء واحده
أتى سيبويه ناشرا لعلومه * فلولاه أضحى النحو عطلا مشاهده
وأبدى كتابا كان فخرا وجوده * لقحطان إذ كعب بن عمرو محاتده
وجمع فيه ما تفرّق في الورى * فطارفه يعزى إليه وتالده
بعمرو بن عثمان بن قنبر الرضيّ * أطاعت عواصيه وثابت شوارده
به نظمت في إثر شتّ عقوده * وزينها من بعد شين فوائده
عليك قرآن النحو نحو ابن قنبر * فآياته مشهودة وشواهده
كتاب أبي بشر فلا تك قارئا * سواه فكلّ ذاهب الحسن فاقده
هم خلج بالعلم مدت فعند ما * تناءت غدت تزهي وليست تشاهده
ولا تعد عمّا حازه إنّه الفرا * وفي جوفه كلّ الذي أنت صائده
إذا كنت يوما محكما لكتابه * فإنّك فينا نابه القدر وماجده
ولست تبالي إن فككت رموزه * أعضّك دهر أم عرتك شدائده
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 253
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٢٥٣