لم أنسها إذ أومأت ببنانها * في موقف فيه اللسان الأصبع
وطلبت ردّتها فقيل لي اتئد * ما أنت يا هذا المتيّم يوشع
يا صاحبيّ قفا فثمّ منازل * لي مطمح بخيامهنّ ومطمع
فتمهّلا لي ساعة تريا معي * في الحيّ بدرا من هلال يطلع
قمر ولكن دونه من قومه * عدد النجوم الزّهر سمر شرّع
وأسود حرب كالأسود خوادر * تحميه من لحظ العيون وتمنع
لا يحذرنّ من المنية عاشق * دون المنى فلكلّ حيّ مصرع
قد كدت أخفى بالضنى عن عابدي * لولا حنين في البكاء مرجّع
وأرقّ حسّادي عليّ توجّعي * لما رأوا أنّي كئيب موجع
ما كنت أقنع بالزيارة منهم * حتى بقيت بزور طيف أقنع
ولو انّهم عطفوا لكنت أثّبهم * شكوى يكاد لها الصّفا يتصدّع
من مبلغ الرشأ الرشيق إذا انثنى * أني بغصن القدّ منه مولع
لم يذكر المشتاق يوم مقالع * وجدا به لولا الغزال الأتلع
ولذاك حمّله الكئيب من الهوى * ثقلا وجرّعه الدموع الأجرع
ولربّ ليل بتّ أرقب نجمه * حتى الصباح وما لجنبي مضجع
سهران لا من علّة لكنّه * من سار في طلب العلى لا يهجع
ومصاحبي طيف يكلّ عزائمي * أسرى من البرق اللموع وأسرع
يعدو فيقدح سنبكاه في الحصى * فيكاد يلتهب الثرى واليرمع
أرمي الفجاج به فيذرع طولها * والعرض ساقاه وتلك الأذرع
لله منه أربع دانت لمن * يعلو قراه بها الرياح الأربع
أنضاه مني نضو أسفار له * عزم يضيق به الفضاء البلقع
سارت أمام همومه همّاته * حتى لغصّ بها الطريق المهيع
ولكم فرعت على خطاه محلّة * عذرا فكانت صحبة ما تفرع
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 96
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٩٦