وديار من الأحبة أقوت * فصداها لبعدهم كالأنين
درست فهي لا تبيّن إلّا * بالأسى تستفزّ قلب الحزين
أو أرى في أراكها ضوء ثغر * كلما ضلّ رسمها يهديني
معهد طالما نعمت وعيشي * مستماح اليدين غير ضنين
بغصون من أرضه كقدود * وقدودها من أهله كغصون
وجنان الخلود يفتح منها الل * ثم صدغا يظلّ كالزرفين
كنت فيها أثرى الأنام من الصب * وة واللهو والصبا والجنون
بين راح من الأباريق مك * يول ولفظ من الغنا موزون
ذاك عيش مضى عزيزا فلا غر * ولعين تبكي بماء مهين
ووجوه مثل الدنانير قد عا * جلها دهرها بصرف المنون
ثم زال الصبا ومن كان يصبي * وشجوني كما سمعت شجوني
لست أسلو تلك المحاسن حتى * يتسلى الندى جلال الدين
ملتقى القصد من تقى المدح مهوى ال * وفد سمّ العدو غيظ القرين
بحر فقه وإن تشأ فابن بحر * في ضروب البيان والتبين
وخطيب يكفي الخطوب بلفظ * يستميل الصخور بالتلين
ساجع يورق المنابر ميسا * فتلذّ الأسجاع فوق الغصون
وإمام المحراب يشهد قلم * حازه أنّه إمام الفنون
وسريّ ضاهى الهلال ارتفاعا * وضياء بعزمه المستبين
ساور الفرقدين عنه إلى أن * أسلماه وتله للجبين
ضاع مدح يهدى لغير علاه * ضيعة البكر في يد العنين
فعلت راحتاه في كلّ عسر * مثل فعل المضاف في التنوين
كل يوم فتوّة وفتاو * منقذات الجهول والمسكين
شبه الناس وجوده بالغوادي * كاشتباه الهلال بالعرجون
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 93
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٩٣