وأراد حسّادي لحاقي فانثنوا * ومطيّهم للعجز حسرى ظلّع
ما زلت أختبر البرايا ناقدا * لهم بعين فراسة ما تخدع
حتى لقد ألوى بعزمي عنهم * ألوى أغرّ من الرجال سميدع
وإلى جلال الدين أوصلني سرى * أمل يخبّ إلى الكرام ويوضع
فلجأت منه إلى إمام أروع * إن قال واصفه إمام أروع
حبر إذا عقد المسائل عاقد * ألفيته في حلّها يتنوّع
وإذا الفتاوى أشكلت وتراجعت * عنها الورى فإليه فيها يرجع
يجلو ظلام المشكلات إذا بدا * للخلق صبح ذكائه المتشعشع
وإذا تكلم في المحافل تجتلي * حكم يشيب لها الوليد المرضع
يهدي إلى طرق الصواب من الخطا * بالفضل منه براعة وتبرّع
طبّ بتدبير الأمور مهذّب * فيه أناة مجرّب وتسرّع
ثبت إذا ما الخطب زعزع يذبلا * فجنانه بالحلم لا يتزعزع
يزجي سحائب للمعاني فكره * فيها بوارق للفوائد تلمع
فإذا دنت وأراد صوب صوابها * فعلى الأقاصي والأداني تهمع
ما في جميع العالمين مفرّق * من كلّ علم فهو فنّه مجمع
إن أخرس الفصحاء خطب فادح * من هوله فهو الخطيب المصقع
علامة العلماء والصدر الذي * في صدره للعلم بحر مترع
لبس المهابة منه فارس منبر * بسوى الفضائل قطّ ما يتدرّع
يجلو على الأسماع زاجر وعظه * فتلين قاسية القلوب وتخشع
ويهزّ آبيّة النفوس فترعوي * ويسيل جامدة العيون فتدمع
تبدو عليه من الوقار سكينة * أبصارنا بجلالها تتمتّع
يعلو مقاما ليس يعلوه امرؤ * إن لم يكن بعلومه يترفّع
تهتزّ أعواد المنابر تحته * طربا به لما يقوم وتسجع
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 97
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٩٧