وترى البرايا منه وجها أبيضا * وشعاره لون عليه أسفع
ومن العجائب أن حواه منزل * في صدره منه الخلائق أجمع
قاسوا سواه به سفاها منهم * والنبع ليس به يقاس الخرع
كالبحر فيه عجائب ما تنقضي * كالطود مروة عزّه ما تقرع
كالسيف لكن للموالي صفحه * والحدّ منه في المعادي يقطع
كالسمهريّ مثقّف يردي إذا * طعن الخطوب برأيه أو يردع
كالغيث إلا أنّ سحب نواله * عن قاصد ومؤمّل ما تقلع
كالليث إلا أنّه في بأسه * أضرى من الليث الهصور وأشجع
كالشهد طعما للصديق مذاقه * لكنه للضدّ سمّ منقع
يا رائد الإحسان يمّم ربعه * فهناك روض بالوفود ومنجع
وعلى جلال الدين نور جلالة * عنها بروق الألمعية لمّع
يعطي ولا تفنى العلوم كأنّما * في قلبه منها قليب ينبع
أقلامه مشكورة آثارها * في كلّ خطب فعلها يتوقّع
يتألم الحسّاد من لدغاتها * فكأنها فيهم أراقم تلسع
ولها سطور في الطروس كأنما * روض الربيع بها مقيم مربع
لم يدر هل درر على أرجائها * أم فوقها زهر الدراري وقّع
نفعت وضرّت في رضى وحفيظة * بجوار كفّ فتى يضرّ وينفع
من أسرة ذهبوا وطيب ثنائهم * مثل اللطيمة نثرها يتضوّع
ذبّوا عن الشرف الرفيع ودافعوا * فلذاك شاهد فضلهم لا يدفع
كانوا لفرط الجود يعطون الغنى * إن جاءهم يوما فقير مدقع
كرمت أصولهم فطابت واعتلت * حتى غدت فوق النجوم تفرّع
كانوا إذا اسودّ الزمان بحادث * بيض الوجوه لهم ضياء يسطع
من كلّ قاض فاضل أحكامه * للعدل قائمة تسنّ وتشرع
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 98
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٩٨