ويحك ما تريد ؟ فقال موسى : وتربة المتوكل لا نالك سوء ، ثم بايعه « 1 » ، وطلب صالحا ، فاختفى ، وقرر موسى المهتدي على حاله ، ثم قتل صالح بعد ذلك بشهر .
وفي رجب من هذه السنة قتل المهتدي محمد بن الواثق هارون بن المعتصم محمد بن الرشيد ، وكانت دولته سنة ، وعمره نحو ثمان وثلاثين سنة « 2 » ، وكان حسن الصورة ورعا تقيا متعبدا عادلا فارسا شجاعا قويا في أمر اللّه خليقا بالإمارة ، ولكنه لم يجد ناصرا ولا معينا على الخير ، ويقال : إنه سرد الصوم مدة إمارته ، وكان يقنع بخبز وزيت ، وكان يشبه بعمر بن عبد العزيز ، وكان له جبة صوف وكساء يتعبد فيهما ، وكان قد سد باب الملاهي والغناء ، وحسم الأمراء عن الظلم ، وكان لا يغيب عنه شيء من أمر الناس .
ويقال : إن الأتراك خرجوا عليه ؛ فلبس السلاح ، وشهر سيفه ، وحمل عليهم ، فأسروه ، وجعلوه في الحبس ، وقتلوه ، رحمه اللّه . وأقاموا بدلا منه المعتمد ، وبعده ركت دولة العباسيين ، وصار مواليهم من الترك يولون ويخلعون .
وفيها توفي أبو عبد اللّه الزبير بن بكار الأسدي القرشي الزبيري ، وكان من أعيان العلماء ، تولى قضاء مكة ، وله مصنفات نافعة منها كتاب ( أنساب قريش ) ، وعليه المعتمد في نسب قريش ، روى عن ابن عيينة وطبقته ، وروى عنه ابن ماجة وابن أبي الدنيا وغيرهما ، توفي بمكة وهو قاضيها وعمره أربع وثمانون سنة .
وفيها إمام المحدثين شيخ الإسلام محمد بن إسماعيل أبو عبد اللّه بن إبراهيم ابن المغيرة بن يزدزبه « 3 » البخاري الجعفي مولاهم . بلغت مشايخه ألف شيخ ، وهم طبقات أعلام أهل الثلاثيات كالمكي بن إبراهيم ، وأبي عاصم النبيل . وروى عنه خلائق لا يحصون ، أشهرهم محمد بن يوسف القربري . ورحل إلى الآفاق كمكة والمدينة والشام ومصر وخراسان والجبال والعراق والحجاز ، وقدم بغداد ،
هامش
( 1 ) في ب : حلفه .
( 2 ) في الأصل : نحو ثلاثين سنة ، وما أثبت من مرآة الجنان 2 / 166
( 3 ) كذا ما أثبته ابن ماكولا ، أما في وفيات الأعيان 4 / 190 فإنه يزذبه ، وهو مختلف فيه .