وانحدرت إلى البصرة ، فرغبت أن انظر الجاحظ ؛ فاستأذنت عليه ؛ فأذن وقال :
هذا رجل اجتاز بالبصرة ، وسمع بعلتي ، فأراد الاجتماع بي ليقول : رأيت الجاحظ ، فقلت له : أنشدني شعرا ؛ فقال :
لئن قدمت قبلي رجال فطالما * مشيت على رسلي فكنت المقدّما
ولكن هذا الدهر تأبى صروفه * فتبرم منقوضا وتنقض مبرما
فلما خرجت وكنت بالدهليز قال : يا فتى ، أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليلج ؟
فقلت : لا ، فقال : إن الإهليلج الذي معك ينفعني ؛ فابعث لي منه ؛ فقلت : نعم ، فتعجبت من وقوعه على ما جرى مع شدة كتماني ، وبعثت إليه بمائة إهليلجة « 1 » .
وفيها أبو عمرو نصر بن علي الجهضمي البصري الحافظ ، كان المستعين طلبه للقضاء ، فقال لأمير البصرة : أنظرني حتى أرجع فأستخير ؛ فرجع وصلّى ركعتين وقال : اللهم إن كان لي عندك خيرا فاقبضني إليك ، ثم نام ، فأيقظوه فإذا هو قد مات رحمه اللّه .
وفيها الخليع الحسين بن الضحاك البصري الشاعر ، كان مقربا عند الخلفاء ، وسمي خليعا لخلاعته ومجونه ومضاحكته .
سنة اثنتين وخمسين ومائتين [ توفي المستعين باللّه أحمد بن محمد بن المعتصم محمد بن الرشيد ]
توفي المستعين باللّه أحمد بن محمد بن المعتصم محمد بن الرشيد ، بويع بعد المنتصر « 2 » ، وكان الترك قد استولوا على أمره ، وبقي مقهورا ؛ فتحول من سامراء إلى بغداد غضبا ؛ فتوجهوا بعده يسألونه الرضى ، فامتنع ، فأخرجوا المعتز من الحبس ، وحلفوا له ، وجاءه أخوه أبو أحمد لمحاربة المستعين ، فتهيأ نائب بغداد ابن طاهر للحرب ، ووقع القتال ، ودام الحرب أشهرا حتى جهد أهل بغداد من
هامش
( 1 ) هذه القصة بكاملها مع تاريخ وفاة الجاحظ مكانها في ب سنة خمس وخمسين ومائتين القادمة .
( 2 ) في الأصل : المستنصر ، وهو خطأ .