وفيها ، وقيل : في سنة سبع وأربعين ، توفي الإمام النحوي بكر بن محمد المازني البصري ، إمام وقته في الأدب ، وله فيه تصانيف عديدة ، وكان في غاية الورع .
روى عنه تلميذه المبرّد أنه جاءه ذمي ليقرأ عليه كتاب سيبويه ، وبذل له مائة دينار ، فأبى ؛ فقلت له : جعلت فداك ، أترد هذا مع فاقتك ؟ ! فقال : الكتاب يشتمل على ثلاثمائة آية من كتاب اللّه ؛ فلا أمكن منه ذميا ؛ غيرة وحمية .
ثم اتفق أن الواثق استدعاه إلى بغداد لإعراب بيت غنته سرية له ، فزعمت أن شيخها المازني لقنها إياه كذلك . فلما قدم أخبرهم بصوابها ؛ فأعجب به الواثق ، وفي القصة كلام طويل أنشده في آخره :
إن المعلم لا يزال مضعفا * ولو ابتنى فوق السماء بناء
من علم الصبيان أصبوا عقله * حتى بني الخلفاء والأمراء
فقال الواثق : للّه درك ! كيف لي بك ؟ فقلت : إن الغنى والفوز في قربك ، ولكني ألفت الوحدة ، ولي أهل يضرهم البعد عنهم ؛ قال : فأمر لي بألف دينار وكسوة وطيب ، وقال : لا تقطعنا .
قال المبرد : فلما قدم البصرة قال لي : رددنا مائة للّه فعوّضنا ألفا .
وفيها وزير المعتصم المعروف بابن الزيات ، وكان أول أمره كاتبا ، فاتفق أن المعتصم سأل وزيره أحمد بن عمار البصري عن الكلأ ما هو ، فقال المعتصم :
خليفة أمي ووزير عامي ، انظروا من بالباب من الكتاب ، فوجدوا ابن الزيات ، فسأله عن الكلأ ، فقال : العشب على الإطلاق ، فإن كان رطبا فهو الحشيش ، وإن كان يابسا فهو الكلأ . وشرع في تقسيم أنواع النبات ، فاستوزره ، وارتفع شأنه ، وظلم ، واتخذ تنورا من حديد يحبس فيه المصاد رين ، فإذا سئل الرحمة قال :
الرحمة خور في الطبيعة ؛ فأمسكه المتوكل في خلافته ، وأدخله التنور ، وقيده بخمسة عشر رطلا من حديد ، فافتقد بعد حين ، فوجد ميتا فيه .
ولابن الزيات أشعار رائقة وديوان رسائل وغيرها .