واستفك أسارى بألف ألف درهم ، وتصدق بأموال كثيرة ، وفيه يقول أبو تمام وقد قصده من العراق :
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمّ بنا * فقلت كلّا ولكن مطلع الجود
وبسبب وفادته ألّف كتاب ( الحماسة ) ؛ فإنه حكم عليه البرد هناك ، ووقع على خزانة كتب ، فاختار منها الحماسة .
وفيها توفي الإمام الحبر الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن سعد ، كاتب الواقدي ، وصاحب الطبقات والتاريخ . ومحدث بغداد أبو الحسن علي بن الجعد الهاشمي مولاهم . قيل : إنه مكث سنين يصوم يوما ويفطر يوما .
سنة إحدى وثلاثين ومائتين [ ورد كتاب الواثق على أهل البصرة ممتحنا لهم بالقول بخلق القرآن ]
ورد كتاب الواثق على أهل البصرة ممتحنا لهم بالقول بخلق القرآن ، وقتل بيده الشهيد أحمد بن نصر الخزاعي ، وكان من أولاد الأمراء ، ونشأ في علم وصلاح ، وكتب عن مالك وغيره ، وكان ردّ على الواثق القول بخلق القرآن ، وقام معه خلق من المطوّعة ، واستعجل أمره . روي أنه صلب ؛ فاسود وجهه ، فتغيرت قلوب الناس ، ثم ابيضّ سريعا ، فرئي في النوم فقال : لما صلبت رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأعرض عني بوجهه ، فاسود وجهي غضبا ، فسألته صلّى اللّه عليه وسلم عن سبب إعراضه ، فقال : حياء منك إذ قتلك واحد من أهل بيتي ، فابيض وجهي .
وفي هذه المحنة مات مسجونا مقيدا الإمام أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي صاحب الشافعي ، وكان عابدا دائم الذكر ، كبير القدر . قال الشافعي : ليس في أصحابي أعلم منه . وقال له : تموت في الحديد . فاستدعوه من مصر ، وجعلوا في رجله قيدا ، وفي عنقه غلا ، وبينهما سلسلة وزن أربعين رطلا . وكان إذا سمع أذان الجمعة مشى إلى باب السجن ، فيقول له السجّان : أين تريد ؟ فيقول : أجيب داعي اللّه ؛ فيقول : ارجع عافاك اللّه ؛ فيقول : اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني .
وفيها أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الحوراني ، مقدم شعراء عصره ، في أسلوبه وترتيبه ألف ( الحماسة ) ، وكتاب ( فحول الشعراء ) ، جمع فيه بين الجاهليين