وفيها العلامة أبو عبيد القاسم بن سلام ، كان أبوه عبدا روميّا لرجل من أهل هراة ، قيل : إنه أول من صنف غريب الحديث ، وصنف نيفا وعشرين . وعنه قال : مكثت في الغريب أربعين سنة ، ووقف عليه عبد اللّه بن طاهر فاستحسنه وقال :
إن عقلا دعا صاحبه إلى مثل هذا حقيق ألا يحوج إلى طلب المعاش ؛ وأجرى له كل شهر عشرة آلاف درهم ، وتولى القضاء بمدينة طرسوس ثماني عشرة سنة ، وكان يقسم الليل أثلاثا : صلاة ونوما وتصنيفا ، وكان أحمر الرأس واللحية يخضب بالحناء ، وكان مهيبا ، توفي بمكة بعد أن حج ، وعزم على الانصراف إلى العراق مع الناس ، قال : فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأردت الدخول عليه فمنعت ، وقيل لي : لا تدخل عليه ولا تسلم وأنت خارج إلى العراق ، فقلت : لا أخرج إذا ، فأخذوا عهدي على ذلك ، وخلوا بيني وبينه ، فسلمت عليه ، وصافحني . وأقام بمكة حتى مات .
وعنه قال : كنت مستلقيا بالمسجد الحرام فجاءتني عائشة المكية وكانت من العارفات ، فقالت : يا أبا عبيد لا تجالسه إلا بالأدب وإلّا محاك من ديوان العلماء والصالحين .
وقال هلال بن العلاء الرقي : منّ اللّه تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم :
الشافعي ولولاه ما تفقه الناس في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأحمد ولولاه ابتدع الناس ، ويحيى بن معين نفى الكذب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وبأبي عبيد فسر غريب الحديث ، ولولاه اقتحم الناس الخطأ . وكان أبو عبيد موصوفا بالدين ، وحسن المذهب ، والسيرة الجميلة ، والفضل البارع ، وأثنى عليه علماء وقته بما يطول ذكره .
سنة خمس وعشرين ومائتين [ مات أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي الأمير ]
مات أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي الأمير ، صاحب الكرخ ، أحد قواد المأمون ثم المعتصم ، أحد الأبطال الأجواد الممدحين ، مدحه أبو تمام وغيره ، وله صنعة في العبارة ، صنف كتاب البزاة والصيد والسلاح وسياسة الملوك وغير ذلك ،