وفيها توفي الإمام أبو سعيد عبد الملك بن قريب الباهلي المشهور بالأصمعي البصري عن ثمان وثمانين سنة . وتصانيفه تزيد على ثلاثين ، روي عنه أنه قال : أحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة منها المائة والمائتان . وكان الشافعي يقول : ما عبر أحد بأحسن عبارة الأصمعي . وعنه قال : سألت أبا عمرو بن العلاء عن ثمانية آلاف مسألة وما مات حتى أخذ عني ما لا يعرفه فيقبله مني ويعتقده .
وعنه قال : كنت بالبادية طوّافا وأكتب ما سمعت فقال أعرابي : أنت كالحفظة تكتب لفظ اللفظة ، فكتبتها عنه ، وقال : رأيت شيخا بالبادية وقد سقط حاجباه ، وله مائة وعشرون سنة ، وفيه بقية ، فسألته ، فقال : تركت الحسد فبقي الجسد ، وأنشد :
ألا أيها الموت الذي لست تاركي * أرحني فقد أفنيت كلّ خليل
أراك بصيرا بالذين أحبهم * كأنك تنحو نحوهم بدليل
ونوادره تحتمل مجلدات . وأعطاه الرشيد والمأمون ، وله فضل واسع .
ولما صنف كتابه في الخيل مجلدا واحدا وصنف أبو عبيدة في ذلك خمسين مجلدا امتحنهما الرشيد ، فقرب لهما فرسا فلم يعرف أبو عبيدة أعيان الأعضاء ، وأما الأصمعي فجعل يسمي كل عضو ، ويجعل يده عليه ، وينشد ما قالت العرب فيه ، فقال له الرشيد : خذه قال : فكنت إذا أردت أن أغضب أبا عبيدة ركبته إليه .
ورثى أبو العالية الشامي الأصمعي فقال :
لا درّ در نبات الأرض إذ فجعت * بالأصمعيّ لقد ألقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى * في الناس منه ولا من علمه خلفا
ومن مسنده عن عائشة رضي اللّه عنها [ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ] « 1 » أنه قال : « إياكم ومحقرات الذنوب فإن لها من اللّه طالبا » .
وبإسناده عن علي كرم اللّه وجهه أنه قال : هذا المال لا يصلحه إلا ثلاث : أخذه من حله ، ووضعه في حقه ، ومنعه من السرف .
هامش
( 1 ) ما بين القوسين ليس في الأصل ، واستدرك من ب .