إليّ يا أبا زيد ، فجاءه ، فتحادثا وتناشدا الأشعار ، فقال له بعض الحاضرين :
يا أبا بسطام نقطع إليك ظهور الإبل فتدعنا وتقبل على الأشعار ؟ ! فقال : أنا أعلم بالأصلح ، أنا واللّه الذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذلك . كأنه يروّح قلبه عند السآمة .
ومثل هذا ما روي أن ابن عباس كان يقول لأصحابه : أحمضوا . وكما قال أبو الدرداء : إني لأجم نفسي بشيء من الباطل لأستعين به على الحق .
وفيها ، وقيل في سنة سبع عشرة ومائتين ، توفي عمرو بن مسعدة الكاتب البليغ ، كتب للمأمون إلى بعض عماله : كتابي إليك كتاب واثق بمن كتب إليه ، معين لمن كتب له ، ولن تضيع بين الثقة والعناية « 1 » صلة والسلام .
وقيل كتب إلى الفضل بن العميد وقد غار من زواج أمه : الحمد للّه الذي كشف عنا سوء الحيرة ، وهدانا لستر العورة ، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة ، ومنع من عضل الأمهات كما منع من وأد البنات ، استنزالا للنفوس الأبية عن الحمية حمية الجاهلية ، ثم عرض لجزيل الأجر من استسلم لوقائع قضائه ، وعدّ من جليل الذخر من صبر على نازل بلائه ، وهيأك للذي يشرح للتقوى صدرك ، ووسع في البلوى صبرك ، [ وألهمك ] التسليم لسنته والرضى بقضيته .
وفيها الأخفش الأوسط إمام العربية سعيد بن مسعدة المجاشعي البصري ، كان يقول : ما وضع سيبويه في كتابه شيئا إلا عرضه عليّ ، وكان يرى أنه أعلم به مني ، وأنا اليوم أعلم به منه .
وزاد في العروض بحرا زائدا على أبحر الخليل . وكان أخلع ، وهو الذي لا تنضم شفتاه على أسنانه . والخفش صغر العينين مع سوء بصرهما . ومصنفاته بضعة عشر مصنفا .
وأما الأخفش الكبير فهو عبد الحميد بن عبد المجيد ، أخذ عنه أبو عبيدة وسيبويه ، وهو مجهول الوفاة .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل وب ، ولكن الذي يلائم السياق أن تكون : الإعانة .