تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غربال الزمان في وفيات الأعيان — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
وفي الفقه عارفا باختلاف القوم ، وفي النحو ماهرا ، وفي الطب خبيرا ، وبأيام العرب وأشعارها حاذقا . ولحن يوما بحضرة الرشيد ، فرد عليه فقال : يا أمير المؤمنين إن طباع [ أهل البدو ] « 1 » الإعراب ، [ وطباع أهل الحضر ] « 1 » اللحن ، فإذا تحفظت لم ألحن ، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت . صنف الفراء للمأمون كتاب ( الحدود في النحو ) وكتاب ( المعاني ) فاجتمع لإملائه خلق كثير منهم ثمانون قاضيا ، وشح به كتابه وقالوا : لا نخرجه إلا لمن يكتبه خمسة أوراق بدرهم ، فشفع إليهم الفراء فلم يقبلوا ، فأراد أن ينشئ كتابا أحسن منه ، فرضي الوراقون أن يكتبوا كل عشرة أوراق بدرهم . وعمل كتابا على جميع القراءات « 2 » في نحو ألف ورقة فلم يعمل مثله ، وكل تصنيفه حفظا لم يأخذ بيده نسخة إلا كتاب ( ملازم ) وكتاب ( يافع ويفعة ) « 3 » . وعجب له تعظيم الكسائي ، وهو أعلم بالنحو منه . قال الفراء : أموت وفي نفسي من حتى شيء ، لأنها تجلب الحركات الثلاث ، ولم يعمل الفراء ، ولا باعها ، وإنما كان يقرئ الكلام . وقطعت يد والده في مقتلة الحسين بن علي رضي اللّه عنه . وكان يؤدب ابني المأمون ، فطلب نعله يوما فابتدرا أيهما يسبق إلى تقديمها له فقال له المأمون : ما أعز من يتبادر إلى تقديم نعليه وليا عهد المسلمين ، فقال : ما كنت لأدفعهما عن مكرمة سبقا إليها وشريعة حرصا عليها ، وقد أمسك ابن عباس بركاب الحسن والحسين وقد خرجا من عنده . فقال المأمون : لو منعتهما لأوجعتك لوما ، فلا يحسن ترفّع الرجل عن ثلاثة : والده وسلطانه ومؤدبه . وأعطاهما عشرين ألف دينار ، وأعطاه عشرة آلاف . وروي أن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة سأل الفراء وهو ابن خالته عن سهو في سجود السهو فقال : لا شيء عليه لأن المصغر لا يصغر ، وروي مثلها عن الكسائي ، واللّه سبحانه أعلم .
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفين ليس في الأصل ، واستدرك من وفيات الأعيان . ( 2 ) في الأصل : القرآن ، وما أثبت من ب . ( 3 ) يفعة : ليس في الأصل ولا ب ، واستدرك من وفيات الأعيان لابن خلكان .