فشيعه من البصرة نحو ثلاثمائة عالم ، فقال لهم : لو وجدت كل يوم كحبة باقلاء ما فارقتكم ، فلم يكن فيهم من تكلف له ذلك ، وأقام بمرو ، واجتمع له هناك مال ، سمع النضر من هشام بن عروة وغيره من أئمة التابعين ، وسمع عليه ابن معين وابن المديني وغيرهم . وروى المأمون يوما عن هشيم بسنده المتصل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز » . بفتح السين ، فرده النضر فقال : هو بكسر السين ، فقال المأمون : تلحنني يا نضر ؟ ! فقال : إنما لحن هشيم وكان لحانة ، لأن السداد بالفتح القصد في الدنيا والسبيل ، وبالكسر البلغة ، وكل ما سددت به شيئا فهو سداد يعني بكسر السين ، ومنه قول العرجي :
أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر
فأمر له بجائزة جليلة . والعرجي المذكور ، منسوب إلى العرج منزل بين مكة والمدينة ، شاعر مشهور أموي ، حبسه محمد بن هشام المخزومي أمير مكة وخال عبد الملك لما شبّب بأمه ، فأقام بالحبس سبع سنين ومات فيه عن ثمانين سنة . وبعد البيت المذكور :
وصبري عند معترك المنايا * وقد شرعت أسنّتها بنحري
في أبيات له عملها في الحبس .
وفيها توفي الإمام [ الزاهد ] « 1 » أبو داود الحفري نسبة إلى محلة بالكوفة . قال علي بن المديني : ما أعلم أني رأيت بالكوفة أعبد منه ، وقال وكيع :
إن كان يدفع البلاء بأحد من أهل زماننا فبأبي داود .
وفيها الإمام الحبر أبو زكريا يحيى بن آدم الكوفي المقرئ الحافظ الفقيه صاحب التصانيف . وأزهر بن سعيد الباهلي مولاهم البصري الحافظ ، كان يصحب المنصور قبل خلافته ، فجاء للتسليم عليه بالخلافة وتهنئته فحجبه ، فترصد يوم جلوسه العام فقال له : ما جاء بك ؟ فقال : جنت مهنئا للأمير ، فأمر له بألف وقال له :
لا تعد إلينا بعد . فسمع أن المنصور مرض فجأة فقال : ما جاء بك ؟ قال : جئتك عائدا ،
هامش
( 1 ) الزاهد : ليست في الأصل ، واستدركت من ب .