أمان الرشيد بالأيمان المغلظة ، وكتب له نسختين نسخة عنده ونسخة عند يحيى البرمكي . فلما قدم عليه أظهر بره وكرامته ، وأعطاه مالا جزيلا ، ثم خرج إلى المدينة بإذنه ، وقيل : بإذن الفضل دونه ، وفرق المال بالمدينة على قرابته ، وقضى دين الحسين بن علي الفخيّ وحج ، ولم يزل آمنا حتى وشى به عبد اللّه بن مصعب الزبيري ، فاستدعاه الرشيد وأخبره بقول الزبيري فقال : إن هذا قد كان بايع أخي محمدا ومدحه بقوله :
قوموا بإمرتكم ننهض ببصرتنا * إن الخلافة فيكم يا بني الحسن
فاليوم يكذب عليّ ويسعى بي إليك ، فصدقه هارون وعذره ، ومات ابن مصعب في اليوم الثالث .
قيل : وسبب نقض أمانه أنه قال له الرشيد في مناظرات عددها ويحيى في كلها يقيم الحجة على نفسه اتقاء لشره حتى قال : من أقرب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم منّا ؟
فاستعفاه فلم يعفه ، وكرر ذلك مرارا فلم يعفه ، فقال له يحيى بعد لحاح عظيم : لو بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أكان له أن يتزوج فيكم ؟ قال « 1 » : نعم ، فقال له : فيحق له أن يتزوج فينا ؟ قال : لا ، قال : فهذه حسب . فشق على أهل المجلس ، وأنف الرشيد وغضب ، وطلب الفقهاء واستفتاهم في نقض أمان يحيى ، فأعجم بعضهم وتكلم بعضهم بموجب العلم أنه لا سبيل إلى نقضه ، وقال بعضهم : هذا رجل شقّ عصا المسلمين ، وسفك الدماء ، لا أمان له ، فأمر الرشيد بحبسه ، وضيّق عليه حتى مات محبوسا .
وقيل : إنه شده على جدار ، وسمر على يديه ورجليه ، وسد عليه المنافذ حتى مات .
وقيل : إنه دفع رقعة إلى يحيى بن خالد وحرّج عليه بوقوفه بين يدي اللّه تعالى لما كتمها إلى موته ثم يدفعها إلى هارون ، فدفعها بعد موته إلى هارون فإذا فيها :
بسم اللّه الرحمن الرحيم
يا هارون قد تقدم المستعدي والخصم بالأثر ، والقاضي المستعدى لا يحتاج إلى البينة .
هامش
( 1 ) في ب : قال الرشيد .