كل واحد من الحاضرين من العلماء والعباد بدرة وكل قبلها إلا الفضيل ، فقال له سفيان بن عيينة : أخطأت ، ألا صرفتها في أبواب البر ؟ فقال : يا أبا محمد ، أنت فقيه البلد وتخطئ هذا الخطأ ؟ ! لو طابت لأولئك طابت لي .
وقال : إذا أحب اللّه عبدا أكثر غمّه ، وإذا أبغضه وسع عليه الدنيا .
وقال : لو عرضت عليّ الدنيا بحذافيرها لم أحاسب عليها لكنت أتقذّرها كالجيفة ، ولو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا للإمام ؛ لأنه إذا صلح أمن البلاد والعباد .
وكان ولده علي من كبار الصالحين .
ولد الفضيل رضي اللّه عنه بسمرقند ، وقدم الكوفة شابا ، وسمع من منصور وطبقته ، وجاور بمكة إلى أن مات ، وقبره بالأبطح مشهور مزور .
وفيها يعقوب بن داود السلمي ، كان كاتب إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن المثنى لما خرج على المنصور ، وكان عنده صنوف من العلم ، فظفر به المنصور ، فحبسه في المطبق ، وأطلقه المهدي ، وكان من خواصه إلى أن ظهر له منه تعلق ببعض العلويين ؛ فرده إلى المطبق ، وبقي فيه إلى جانب من دولة الرشيد ، فرأى قائلا يقول :
حنّ على يوسف ربي فأخرجه * من قعر جب وبيت حوله غمم
قال : فمكثت بعده حولا فرأيت قائلا يقول :
عسى فرج يأتي به اللّه إنه * له كل يوم في خليقته أمر
فمكثت بعده حولا آخر فرأيت قائلا يقول :
عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفك عان * ويأتي أهله النائي الغريب
قال : فأخرجت صبيحة ذلك اليوم ، فلما رأيت الضوء ذهب بصري ، فجيء بي إلى الرشيد ، فأحسن إليّ ورد مالي . ثم إن الرشيد خيره بين المقام عنده والذهاب فاختار الذهاب إلى مكة ، فجاور بها حتى مات ، رحمه اللّه تعالى .