ولما قتل جعفر وجيء برأسه إلى الرشيد أرسل لأبيه يحيى وأخيه الفضل وقبض عليهما ، وأمر أن يوقر يحيى حديدا ويحمل إلى الحبس حبس الزنادقة ، وكذلك الفضل ، وبقيا في الحبس حتى ماتا ، وقبض على أولادهم وقراباتهم وأموالهم في حكايات تطول .
ولما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر حول وجهه إلى القبلة وقال : اللهم إنه قد كفاني مؤونة الدنيا فاكفه مؤونة الآخرة .
وأكثرت الشعراء رثاء لهم ، ومن قول الرقاشي « 1 » :
أصبت بسادة كانوا نجوما * بهم يسقى إذا انقطع الغمام
فلم أر قبل قتلك يا بن يحيى * حساما قدّه السيف الحسام
أما واللّه لولا خوف واش * وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا * كما للناس بالحجر استلام
وله :
ألا إن سيفا برمكيّا مهندا « 2 » * أصيب بسيف هاشمي مهند
فقل للعطايا « 3 » بعد فضل تعطلي * وقل للرزايا كل يوم تجددي
ومن أطال الكلام في ترجمة جعفر فقد قصر ، واللّه أعلم .
وفيها توفي السيد الأجل الزاهد العابد أحد أفراد الدنيا أبو علي الفضيل بن عياض . قال ابن المبارك : ما ظهر على وجه الأرض أفضل منه . وقال شريك : هو حجة لأهل زمانه . وقال له الرشيد : ما أزهدك ! قال : أنت أزهد مني ؛ لأني زهدت في الدنيا الفانية وأنت زهدت في الآخرة الباقية . وقال له : يا حسن الوجه ، أنت الذي أمر هذه الأمة بيدك وفي عنقك ، لقد تقلدت أمرا عظيما . فبكى الرشيد ، وأعطى
هامش
( 1 ) في تاريخ الطبري 8 / 300 أن الأبيات لأبي عبد الرحمن العطوي .
( 2 ) في تاريخ الطبري 8 / 300 : ودونك سيفا برمكيا مهندا .
( 3 ) في الأصل وب : للمطايا . وكذلك في مرآة الجنان 1 / 415