وفي رمضان منها توفي الإمام العالم العامل مقر المحاسن والفضائل عبد اللّه بن المبارك الحنظلي مولاهم المروزي ، تفقه بسفيان الثوري ومالك بن أنس وروى عنه الموطأ ، وكان كثير الانقطاع في الخلوات ، شديد الورع .
وكذلك أبوه مبارك ، روي أنه حرس بستانا لمولاه فطلب منه رمانا حامضا ، فجاءه بحلو ، فقال له : أنت ما تعرف الحلو من الحامض ؟ قال : لا ، لأنك لم تأذن لي فيه ، فوجدوه كذلك . وعظم قدره عند مولاه حتى كان له بنت خطبت كثيرا فقال له : يا مبارك من ترى نزوج هذه البنت ؟ فقال : الجاهلية كانوا يزوجون للحسب ، واليهود للمال ، والنصارى للجمال ، وهذه الأمة للدين ، فأعجبه عقله ، وقال لأمها : مالها زوج غيره ! فتزوجها ، فجاءت بعبد اللّه بن المبارك ، وكان واحد وقته ، وفيه يقول القائل :
إذا سار عبد اللّه من مرو ليلة * فقد سار منها نورها وجمالها
إذا ذكر الأخيار في كل بلدة * فهم أنجم فيها وأنت هلالها
وقد صنف في مناقبه ، وعد بعضهم ما جمع من خصال الخير فعدوها خمسا وعشرين فضيلة ، وكان يحج عاما ويغزو عاما ، فإذا حج قبض نفقة إخوانه ، وكتب على كل نفقة اسم صاحبها ، وينفق عليهم ذهابا وإيابا من أنفس النفقة ، ويشتري لهم الهدايا من مكة والمدينة ، فإذا رجعوا اتخذ سماطا عليه من جفان « 1 » الفالوذج نحو خمسة وعشرين فضلا عن غيره ، فيطعم إخوانه ومن شاء اللّه ، ثم يكسوهم جديدا ، ويرد إلى كل منهم نفقته ؛ وذلك أنه كان له تجارة واسعة . قال سفيان الثوري :
وددت عمري كله ثلاثة أيام من أيام ابن المبارك . وقال أحمد بن حنبل : لم يكن أطلب للعلم منه ، وصنف التصانيف العديدة ، وحدث بنحو عشرين ألف حديث .
وقال ابن حرب : ما لقي ابن المبارك مثل نفسه . ومناقبه كثيرة ، عاش ثلاثا وستين سنة . قيل : مات بهيت « 2 » منصرفا من غزوة . وقيل : مات في برية سائحا مختارا للعزلة .
هامش
( 1 ) في الأصل : خوان ، وما أثبت من ب .
( 2 ) هيت : بلد بالعراق . ( القاموس ) .