وقال اليافعي : أخبر بنعم اللّه تعالى عليه ، قال : وقد وقع لي ذلك ؛ التمس مني بعض شيوخي أن يقرأ عليّ بعض العلوم ، وسألني بعضهم ، ورجع بعضهم حين خالفت فتواي فتواه ، وكتب إليّ شيخي محمد بن أحمد الذهبي « 1 » مسائل فقال لي : انظر فيها ، ولما أكملت على شيخي نجم الدين الطبري ( الحاوي ) قال للحاضرين : اشهدوا أنه شيخي فيه ، وقال لي : لقد استفدت منك أكثر مما استفدت مني . وقال لي بعضهم : ما تتكلم في فن ويحسب سامعك أن لك فنا غيره ، وسماني بعضهم الفرضي .
وكان مالك عظيم المحبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مبالغا في تعظيم حديثه حتى كان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه ، ويقول : لا أركب في بلد فيها جسد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مدفون .
قال الشافعي : قال لي محمد بن الحسن : أيّ أعلم صاحبنا أو صاحبكم ؟
- يعني أبا حنيفة ومالكا رحمهم اللّه تعالى - قلت : على الإنصاف ؟ قال : نعم ، قلت : أنشدك اللّه من أعلم بالقرآن ؟ قال : صاحبكم ، قلت : فمن أعلم بالسنة ؟
قال : صاحبكم ، قلت : فمن أعلم بأقوال الصحابة ؟ قال : صاحبكم ، قلت : فما بقي إلا القياس وما هو إلا عن هذه الأشياء . وكان مالك يشهد الصلوات الخمس والجمعة ويصلي على الجنائز ويعود المرضى ويعطي الحقوق ، وأكثر جلوسه في المسجد ، ثم ترك الكل ، وكان يصلي وينصرف ، وترك حضور الجنائز ثم ترك الكل فلم يأت لجمعة ولا لجماعة ولا عزى أحدا ؛ فقيل له : فقال : ليس كل أحد يقدر أن يتكلم بعذره .
وسعي به إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس وقيل له : إنه لا يرى خلافتكم ؛ فضربه سبعين سوطا ، ومدت يده حتى انخلعت ؛ فلم يزل بعد ذلك في رفعة ، وكأنما كانت السياط حليا تحلى به .
ولما ورد المنصور المدينة أراد أن يقيده منه فقال : واللّه ما ارتفع سوط منها عن بدني إلا وقد جعلته في حل لقربه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .
هامش
( 1 ) في مرآة الجنان : جمال الدين بن محمد الذهيبي .