الخبب ، وقيل : إن الخليل دعا بمكة أن يرزقه اللّه علما لم يسبق إليه ، وهو في اختراعه بديهة كاختراع أرسطاطاليس علم المنطق الذي هو ميزان المعاني وصحة البرهان ، ومن تأسيس الخليل إنشاء كتاب العين « 1 » وهو أول من جمع حروف المعجم في بيت واحد فقال :
صف خلق خود كمثل الشمس إذ بزغت * يحظى الضجيع بها نجلاء معطار
وقال تلميذه النضر بن شميل : جاءه رجل من أصحاب يونس يسأله عن مسألة ، فأطرق الخليل ففكر وأطال حتى انصرف الرجل ، فعاتبناه ، فقال : ما كنتم قائلين فيها ؟ قلنا : كذا وكذا ، قال : فإن قال كذا وكذا ؟ قلنا : نقول كذا وكذا ، فلم يزل يغوص حتى انقطعنا وجلسنا ، ففكر فقال : إن المجيب يفكر قبل الجواب ، وقبيح أن يفكر بعده . وقال : ما أجيب بجواب حتى أعرف ما علي فيه من الاعتراضات والمؤاخذات ، وكان مع ذلك صالحا قانعا ، قال النضر : كان في خص « 2 » البصرة لا يقدر على فلس وعلمه قد انتشر وكسب به أصحابه الأموال . قال : وسمعته يقول : إني لأغلق بابي فما يجاوزه همي . وقيل للخليل وقد اجتمع بابن المقفع : كيف رأيته ؟
فقال : علمه أكثر من عقله . وقيل لابن المقفع : كيف رأيت الخليل ؟ فقال : عقله أكثر من علمه ، وقرأ عليه رجل في العروض فلم يفهم فقال له الخليل : قطع هذا البيت :
إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع
قال الخليل : فشرع في تقطيعه مع مبلغ علمه ، ثم قام فلم يرجع إليّ ، فتعجبت من فطنته حين قصدته . ويقال : إن أباه أول من سمي أحمد بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ومن شعر الخليل بن أحمد :
وما هي إلا ليلة ثم يومها * وحول إلى حول وشهر إلى شهر
مطايا يقربن الجديد إلى البلى * ويدنين أشلاء الكرام إلى القبر
ويتركن أزواج الغيور لغيره * ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر
هامش
( 1 ) في ب : ومن إنشاء الخليل تأسيس كتاب العين .
( 2 ) الخصّ : البيت من القصب ، أو البيت يسقف بخشبة . ( القاموس ) .