فوقف مليا ثم تغرغرت عيناه بالدمع ثم قال : بقية لعاقل وفسحة لجاهل ، وكان وقوفه أنه حسب ما بقي من عمره من المولد إلى تمام الستين .
وخرج عليه في أيامه محمد بن عبد اللّه النفس الزكية فقتله ، ثم أخوه إبراهيم فقتله أيضا ، ثم عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن وهو المعروف بالأشتر ، خرج بالسند وأرض كابل ونواحيها ، وأسلم على يديه خلق كثير ، وكان بينه وبين عامل المنصور أبي الدوانيق قدر خمسين وقعة في قدر سنة ، وقتل من الفريقين زهاء ثلاثة آلاف ، وقتل عبد اللّه في المعركة وهو ابن ثلاث وستين سنة بعد مقتل أبيه بخمس سنين ، وله عقب بالكوفة ، وأما أخوه علي بن محمد فأخذ بمصر وحمل إلى أبي الدوانيق فعلّق رأسه بعمود حديد ، ثم أدخله السجن فمات في سجن المنصور بعد موته . وخرج عليه أيضا الحسن بن إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن وكان مستترا بالبصرة ، والشيعة يدعون له سرا ، فسعى به قرين بن يعلى الأزدي إلى المنصور أبي الدوانيق ، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم وأرسل معه نصرانيا من خواصه ، وكتب إلى عامل البصرة يمكنهما مما أحبّا ، فلما قدما البصرة تمذهب النصراني بمذهب الشيعة في خشوع وخضوع وصلة لأهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فمضى قرين إلى الحسن ووصفه له ورغّبه في لقائه ، فكتب إليه الحسن على يد قرين ، فأخذ الكتاب ووضعه على عينيه وأكل ختمه ، فقالت له الشيعة : إن الحسن يشتهي لقاءك فقال :
أخشى أن يظهر أمري وأمره فلو جاءني مع هذا ، - يعني قرينا - في هذه الحجرة رجوت أن يخفى ذلك ، فأجابوه ، فهيأ القيود والرجال ، فلما جاءه الحسن قبض عليه وقيده وحمله من ساعته إلى المنصور ، فلما وصل إليه أمر بحبسه وأخذ قرينا فعذبه حتى مات ، ولما أفضى الأمر إلى المهدي بن المنصور أطلق كل المحبوسين غير الحسن وآخر من الهارونيين ، فاحتالت الشيعة ، ونقبوا المطبق عنه ، وخرج وتحمل من حينه إلى الحجاز . فأقام بها حتى هلك رحمه اللّه .
ووقع المنصور فيما اتقاه أخوه من قتل أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وتشريدهم ، فأبقاها سنّة في بقية العباسيين فلا يقوم قائم منهم إلا عارضه علوي فيقتله أو يسجنه
غربال الزمان في وفيات الأعيان — صفحة 147
مساهمون: يحيى العامري الحرضي اليماني
ص١٤٧